في أسبوعها الخامس والعشرين من عبء الحمل الثقيل، 🤰 ساقتها أقدارها العاثرة في أروقة المشفى لتشهد بأم عينيها فاجعة خيانة زوجها. 💔 متدثرًا بمعطفه الأسود، وقف رجلٌ فارع الطول بهي الطلعة يطوق بحمايةٍ جسد فتاةٍ شابة ترفل في معطفٍ من فرو الثعلب الأبيض؛ فتاةٌ تدثرت وجنتاها الموردتان بوشاحٍ صوفي ناعم، لتبرز تقاسيم وجهها البديعة وكأنها دميةٌ خزفية نادرة. ❄️ اعتصرت نور ورقة الفحص الطبي بين أناملها حتى غاضت الدماء من مفاصلها، وبينما كانت الرياح الصقيعية تصفع وجنتيها بشراسة، اجتاحتها انتفاضةُ ألمٍ في قلبها المذبوح فاقت بزمهريرها كل بردٍ ينهش جسدها المنهك. 😢 رمقها هاني من بعيد بملامح يكسوها جليدٌ لا يذوب، دون أن يرف له جفنٌ أو يخالجه أدنى خزيٍ من افتضاح خيانته، بل انحنى ليفتح باب السيارة للفتاة بأنامل تقطر رقةً وحنوًا. 🚘 ومن كان ليتخيل أن هذا السيد بارد الطباع، المتربع على عرش القسوة والتعالي، يخبئ بين جوانحه كل هذا الدفء وتلك الرعاية؟ 🥀 تيبست أوصال الفتاة للحظة وكأنها انتبهت لوجود نور، فرمقتها بنظرةٍ تفيض حيرةً، قبل أن تلتفت نحو هاني متسائلة: "لماذا تطيل تلك الخالة النظر إليك يا هاني؟ هل تعرفها؟" 😳 لم يكن يُسمع حينها سوى عويل الرياح الصقيعية التي تعصف بالآذان. 🌬️ وقفت نور مسلوبة الإرادة، عاجزةً عن فقه ما تمتمت به الفتاة لهاني في تلك اللحظة. 😶 بيد أن عينيها استشفتا من حركة شفتي الفتاة طعنةً مسمومة تمثلت في كلمة "خالة". 💔 خالة؟ 😱 لا مراء في أن هذه الإهانة المغلفة كانت موجهةً إليها. تجرعت نور مرارة سخريةٍ لاذعة اعتصرت فؤادها. وهي التي لم تتجاوز ربيعها الرابع والعشرين بعد. غير أن جسدها الذي رزح تحت وطأة الحمل الثقيل متشحًا بمعطفٍ أسود وقبعةٍ صوفية قاتمة، وملامحها التي نالت منها غوائل الإعياء وذبلت نضارتها، قد أحالتها حقًا إلى كهلةٍ في عقدها الرابع، فأنّى لرمادها أن يضاهي وهج صبا تلك الغانية؟ أسدل هاني ستار المشهد حين أودع فتاته كنف السيارة بحنوٍ بالغ. مُسمّرةً في مهب الريح كتمثالٍ من جليد، وقفت نور ترقب طيف المركبة وهو يتلاشى في الأفق. لقد ساقتها الأقدار إلى زواجٍ قسري مع هاني عُقد بذريعةِ هذا الحمل؛ رابطةٌ بغيضة عدّها هاني— وهو سليل المجد المترفع— وصمة عارٍ لطخت صحيفة حياته، مستيقنًا أن الجنين الذي يتخلق في أحشائها ليس سوى أداةِ ابتزازٍ دنيئة أحكمت بها وثاقها حول عنقه. وبهذا، فقد تغلغل مقتها في شغاف قلبه. على النقيض من ذلك، كانت نور قد وأدت ثماني سنواتٍ من عمرها في حبٍ صامتٍ له، موقنةً في قرارة نفسها بضآلة شأنها أمامه، فلم تجد سبيلًا سوى الانكباب على صقل ذاتها، جاعلةً منه منارةً تهتدي بها لتقتفي أثر خطاه. حتى تحققت الأمنيات أخيرًا، فغدت ذراعه اليمنى في مضمار العمل، لتظفر بشرف المثول في كنفه عن كثب. غير أن خطيئة تلك الليلة المشؤومة لم تعصف بكبرياء هاني فحسب، بل مزقت ما تبقى من كرامة نور وعزة نفسها أمامه إربًا إربًا بدمٍ بارد. ولن يُمحى من ذاكرتها أبدًا نظرات الاشمئزاز التي رشقها بها، وكأنه قد تلطخ برجسٍ دميمٍ. من أجل ذلك، تيقنت أن غانيةً بتلك الفتنة والبهاء هي وحدها من ترقى لمقامه الرفيع. انحدرت دمعةٌ مليئةٌ بالقهر من مقلتيها لتكوي وجنتها، وما هي إلا هنيهة حتى دهمتها تقلصاتٌ عاتية أسفل بطنها، فأسندت أحشاءها بيدٍ مرتجفة، بينما تشبثت بالأخرى بعمودٍ حجريٍ مجاور. لمحتها إحدى الممرضات العابرات، فهرعت لانتشالها من عثرتها، ساندةً إياها بخطىً حثيثة صوب غرفة الفحص الطبي. لقد كان ما دهمها مجرد تداعيات لاضطرابٍ عاطفي عاصف، أثار حفيظة جنينها وأجهد أحشاءها. وما إن سكن روعها وانحسر مد الألم، حتى غادرت نور أروقة المشفى، تجر أذيال خيبتها وجسدها الذي أنهكته الحياة، لتقود مركبتها وحيدةً في طريق العودة إلى "خليج المياه الضحلة". حيث يقبع القصر الفاره الذي يمتلكه هاني. هنالك، أعدت عميدة عائلة النصار جدة هاني طاقمًا من الخدم المخضرمين، أتوا من قصرها العتيق للوقوف على رعايتها وتدبير شؤونها. وفي تلك الأثناء. تربعت الخادمتان الموكلتان بخدمتها في صدر بهو الاستقبال، ترفلان في دفئه وتتجاذبان أطراف الحديث بقهقهاتٍ عالية، وتتلذذان بأطايب الطعام وكأنهما ربتا الدار وصاحبتا الأمر. تناهت إلى مسامع الخادمتين جلبة الخطى الوافدة. فأدارتا رأسهما شطر المدخل تفرسًا للقادم. وما إن وقعت أنظارهما على نور العائدة أدراجها. هبت إحداهما منتصبةً لتدنو منها بخطوةٍ جريئة، متسائلة: "ما الذي أسفرت عنه فحوصات حملكِ؟" تسربلت كلماتها بصلفٍ ممقوت ونبرةٍ تقطر استخفافًا. فما بدت كخادمةٍ انتُدبت للرعاية قط، بل كرقيبةٍ مسلطة تنصب نفسها سيدةً آمرة على هذا العرين. رمقتها نور بنظرةٍ جليديةٍ تخلو من أدنى اكتراث، ثم جاوزتها بخطىً حازمة قاصدةً الدرج دون أن تعيرها انتباهًا أو تنبس ببنت شفة. انعقد حاجبا الخادمة في امتعاضٍ سافر إثر هذا التجاهل. "ألم أسألكِ سؤالًا؟" واصلت نور مسيرها دون أن تعيرها أدنى انتباه. وبنظرةٍ تقطر غلًا، بصقت الخادمة أرضًا وهي تتابع طيف نور المبتعد، وهدرت: "تبدو كحيوانٍ مترهل، لكن أوهامها صورت لها أنها سيدة هذا القصر حقًا... فبمَ تتصنع التعالي؟" أوت نور إلى غرفتها متهاويةً على حافة الفراش، والفراغ ينهش وجدانها المشتت. فلا هاني ولا عائلته رأوا فيها يومًا كنةً تليق بمقامهم. بل إن عميدة عائلة زوجها هي من أخذت زمام المبادرة، وفرضت توثيق زواجهما. لم يتم ذلك لسواد عينيها بالطبع، بل لتزامن حملها المفاجئ مع اشتداد المرض على جد هاني عميد العائلة، فجُعل هذا الزواج بمثابة تعويذةٍ أخيرة لدفع البلاء واستجلابًا لفأل الشفاء؛ بضربةٍ واحدة تجمع بين الفرحتين. وسواء أكان الأمر محض صدفةٍ أم ببركة ذلك الفأل، فقد أخذت صحة الجد تتماثل للشفاء رويدًا رويدًا. عندئذٍ، لان قلب سيدة العائلة وتغيرت معاملتها لنور بعض الشيء. غير أن بقية أفراد العائلة ظلوا ينظرون إليها بعين الاستحقار والازدراء. حتى زيارتها للمشفى اليوم، لم تكن سوى إجراءٍ حتمي للكشف عن جنس الجنين الذي تحمله بين أحشائها، وقد حُسم الأمر بأنه أنثى. ولا ريب في أن النبأ قد زُف سلفًا إلى مسامع سيدة العائلة عبر إدارة المشفى. وفي هذه اللحظة الساكنة... انتفض هاتفها مُصدرًا رنينًا متتاليًا. انتزعت نور نفسها من غياهب أفكارها. ومن قاع حقيبتها استلت الجهاز، لتتصلب ملامحها لبرهة إثر رؤية هوية المتصل؛ لقد كان أستاذها الجامعي. مررت إصبعها على الشاشة لتجيب. "أستاذ حازم الصافي." "أمامكِ فرصةٌ ذهبية للالتحاق ببرنامج الدراسات العليا في جامعة ستانفورد، فهل تودين اقتناصها؟" انعقد لسان نور لبرهةٍ من الزمن، وتسمرت لبرهةٍ حيال ما تناهى إلى مسامعها. وإزاء صمتها المطبق، استطرد حازم محاولًا التراجع: "إن لم تكوني بحاجة..." "سأفعلها." حسمت نور أمرها بمجرد أن استردت وعيها من هول المفاجأة. هنا، خيم الصمت على حازم فجأة. إذ لم يكن هناك من هو أدرى منه بحجم التضحيات التي بذلتها نور، والجهد المضني الذي تجشمته لمجرد الفوز بشرف الوقوف إلى جوار هاني. فبعد أن دنت لها أمنياتها بالزواج والحمل، أنَّى لها أن تفرط في كل ذلك بهذه السهولة؟ لذا، لم يعرض عليها أستاذها هذا المقعد الشاغر إلا من باب إلقاء الحجة، غير طامعٍ في موافقتها. "أستاذ حازم." هتفت نور لاسمه بنبرةٍ انتشلته من صمته. فأجابها حازم على الفور: "فلتأتِ إلى مكتبي في تمام العاشرة من صباح الغد إذًا." "حسنًا." لم يضف حازم حرفًا آخر، بل أنهى المكالمة مباشرة. وضعت نور هاتفها جانبًا. ثم أطلقت زفيرًا مديدًا، وكأن غشاوةً انقشعت عن بصيرتها لتُبصر النور بعد طول عتمةٍ. وقد آن أوان اليقظة بالفعل. فالرجل الذي خلى قلبه من هواكِ، لن يكون طفله قيدًا يأسره، ولن يكلف نفسه عناء الالتفات إليكِ ولو بشق تمرة. وسرعان ما رن هاتفها مجددًا، وكانت سيدة العائلة تطلب مثولها في القصر العتيق، ولا ريب أن الأمر يتمحور حول الجنين الذي تحمله. دبت الروح في أوصالها من جديد. فتوجهت شطر الحمام لتغمر جسدها بماءٍ يغسل عن روحها أدران اليأس. تسمرت أمام مرآة طاولة الزينة تتفرس في انعكاسها؛ وجهٌ مستدير ابتلعه التورم، وهالاتٌ داكنة كللت تجاويف عينيها الغائرة، ووجنتان استوطنهما الكَلَفُ. أية دمامةٍ هذه التي تنفر منها حتى العيون الكليلة! فبأي حقٍ تطمع امرأةٌ سلبها الدهر نضارتها في مجاورة سليل الأمجاد، هاني؟ أسدلت على شحوبها مساحيق التجميل، وتدثرت بمعطفٍ وردي مبطن يعلوه قبعةٌ بيضاء مستديرة، لتسترد ملامحها بعضًا من رونقها المفقود. عقدت العزم ببادئ الأمر على قيادة سيارتها صوب القصر العتيق بمفردها. غير أنها ما إن وطئت عتبة الباب، حتى دهمها اتصالٌ من هاني، ليخترق مسامعها صوته الجليدي آمرًا: "اخرجي." انتفضت أوصال نور بغتةً. فلا بد أن سيدة العائلة هي من ألزمته باصطحابها إلى القصر العتيق. فأجابته ممتثلة: "حسنًا." جاوزت بوابة الفيلا، لتقع عيناها على سيارته الفارهة من طراز "رولز رويس" قابعةً في الانتظار؛ تلك المركبة ذاتها التي كانت قبل ساعتين تتهادى في توصيل امرأةٍ أخرى. استنشقت نور عبق الهواء بعمق لتستجمع شتات نفسها، ثم تقدمت لتفتح باب السيارة وتدلف إلى الداخل. وما إن استقرت في مجلسها، حتى تسرب إلى أنفاسها أريجُ عطرٍ خافت يفوح بروح الصبا، بينما استقرت دمية دبٍ وردية في زاوية المقصورة. كان جليًا للعيان أنها من تلك الدمى المحشوة التي تأسر قلوب الفتيات الصغيرات. وعندما رفعت بصرها، تسمرت عيناها على طوقٍ مطاطي يلتف حول معصم الرجل. لقد كان ذلك بمثابة رايةٍ تعلن بها تلك الغانية سيادتها المطلقة عليه. لا بد أن هاني متيمٌ بها حد النخاع. ابتلعت نور غصة المرارة التي اعتملت في صدرها، وأحكمت حزام الأمان حول جسدها. انطلقت المركبة تشق طريقها ببطءٍ وتروي. تعلقت أنظار نور بالمشهد خارج النافذة، ملتزمةً الصمت المطبق. لو كان هذا اللقاء في سالف الأيام، لاغتنمت أي فرصةٍ تجمعهما على انفراد وتشبثت بها سعيًا لإذابة جليد المسافة بينهما. ورغم جفائه ونظرات الاشمئزاز التي لطالما رشقها بها، لم تكن لتستسلم؛ بل كانت لتختلق الأحاديث اختلاقًا لتجره إلى أطراف الحديث دون كللٍ أو ملل. كل ذلك مدفوعٌ بوهمٍ ساذج صور لها أن رباط الزوجية وثمرة رحِمها كفيلان بمنحها متسعًا من العمر لتثبت جدارتها كزوجةٍ صالحة وأمٍ متفانية، لعل يومًا يأتي يلتفت فيه هاني صوبها بنظرةِ رضا. غير أن حصاد تلك الأوهام لم يكن سوى سرابٍ تخدع به نفسها. فهاني لم يعر تقلباتها الوجدانية أدنى التفات، بل تساءل ببروده المعهود: "ما جنس الجنين؟" فأجابته نور: "إنها فتاة." إثر ذلك. لم يرف لملامح هاني الصارمة جفنٌ، بل نطق بفرمانه الجليدي: "بمجرد أن تضعي حملك، سننهي هذا الزواج بالطلاق." وما إن هوت كلماته كالمطرقة. حتى تشنجت أنامل نور بقوة. وكأن قبضةً خفية اعتصرت قلبها، فاحتبست الأنفاس في صدرها. لطالما أيقنت في قرارة نفسها أن هذا الرباط واهٍ لن يدوم طويلًا لا محالة، غير أن سماع النبأ اليقين من بين شفتيه كان كفيلًا بأن يمزق نياط قلبها من جديد. عضت على شفتها السفلى لتكبح ألمها، وردت: "حسنًا." أمال هاني رأسه ليرمقها بنظرةٍ جانبية، وكأن استسلامها السلس قد أثار حفيظة استغرابه. بيد أنه لم يغص في سبر أغوار صمتها طويلًا. استأنفت نور حديثها: "غدًا هو الإثنين، فهل لديك متسعٌ من الوقت في وقت الظهيرة؟ لعلنا نبادر بالذهاب إلى دائرة الأحوال المدنية لإتمام الإجراءات، فلا ضير في التعجيل بها قبل موعدنا بشهرين." كانت تدرك أن إنهاء إجراءات الطلاق يتطلب الكثير من المعاملات المعقدة التي ستستغرق وقتًا طويلًا، وبحلول ذلك الوقت، سيكون موعد ولادتها قد دنا. رشقها هاني بنظرةٍ، متفرسًا في ملامحها التي تشي بهدوءٍ واستسلامٍ تام، قبل أن يشيح بوجهه عنها قائلًا: "أنا وحدي من يحدد الزمان والمكان." أطرقت نور برأسها، ولاذت بصمتٍ مطبق. تهادت المركبة متوقفةً أمام أبواب القصر الضخم لعائلة النصار. لم يكن استدعاء سيدة العائلة لهما إلا من أجل ذلك الجنين الذي ينمو في أحشاء نور. فقد طغى الذكور على سلالة آل النصار، وندرت فيهم الإناث. إذ رُزقت الجدة بولدين؛ صالح الأكبر، وعصام الأصغر. رُزق صالح بابنين؛ الابن الأكبر فارس الذي تزوج قبل سنوات وأنجب توأمًا من الذكور بلغا ربيعهما الخامس هذا العام، والابن الأصغر مازن ذي الأربعة وعشرين ربيعًا والذي لم يطرق باب الزواج بعد. أما عصام، فلم يكن له من الذرية سوى هاني. لذا، فقد استُقبل نبأ حمل نور بأنثى بفيضٍ من الفرح من قِبل الجدة والجد على حدٍ سواء. "إنه بحقٍ فألُ خيرٍ ومبعثُ سرورٍ؛ فبقدوم هذه الريحانة إلى عائلتنا، تماثل العجوز للشفاء وكأن أوجاعه لم تكن." وما إن لاحظت شهد تلك الحفاوة البالغة التي توليها حماتُها للجنين الذي يتخلق في أحشاء نور، حتى سارعت إلى مجاراتها في الحديث، متوددةً لنور ببضع عباراتٍ منمقة. جلست نور في ركنها بوداعة، تجيب على كل قولٍ بكلماتٍ مقتضبة. وعلى الرغم من أن شهد لم تكن تطيق رؤية نور بجسدها المترهل وخضوعها المبالغ فيه، إلا أنها كتمت مقتها خلف قناعٍ من التظاهر احترامًا لمقام الجدة. وفي لحظة صفاءٍ، أهدت الجدة الكبرى نور سوارًا لا يقدر بثمن من الزمرد الخالص. تملك الذهولُ نور، وبادرت بالاعتذار عن قبول هذه العطية النفيسة. هنا، تدخلت شهد قائلةً: "بما أن الجدة قد جادت به عليكِ، فليس لكِ إلا القبول." وفي قرارة نفسها، كانت شهد تزدري تلك الطباع الرثّة التي تشي بأصولها المتواضعة، لتثبت مجددًا أنها أعجز من أن ترقى إلى مصاف النخبة. أذعنت نور وقبلت السوار متمتمة: "شكرًا يا جدتي." "اعتني بنفسكِ جيدًا، لترزقينا بطفلةٍ في تمام الصحة والعافية." أومأت نور برأسها بابتسامةٍ واهنة، وهي تدرك يقينًا أن حسن معاملة الجدة لها لم يكن لشخصها. كان من المفترض أن يشاركا هي وهاني في مأدبة العشاء بالقصر العتيق. إلى أن تناهى صوت رنين هاتف هاني. لمعت عيناه ببريقٍ دافئ، وانفرجت أساريره عن ابتسامةٍ تقطر حنوًا. يبدو أنهما يربيان حيوانًا أليفًا. راح هاني ينادي الحيوان الأليف "سُكَّرة" بنبرةٍ تقطر رقةً وحنانًا. لو أن زواجه كان عن حبٍ حقيقي، لغدا على الأغلب أبًا يفيض رحمةً وحنانًا. "نعم، سآتي إليكِ في الحال." أنهى المكالمة. التفت هاني مغادرًا الشرفة لتقع عيناه على نور الواقفة هناك. انتفضت هي بخفةٍ من هول المفاجأة، وتسمرت في مكانها لبرهةٍ عاجزةً عن استيعاب الموقف. وما إن رفعت بصرها إليه، حتى طالعتها ملامحه المتجمدة في قسوةٍ جليدية. اعتصر قلبها ألمٌ مفاجئ، فقالت بتعجل: "الجدة تريد رؤيتك في المكتب." جاوزها هاني دون أن ينبس ببنت شفة مغادرًا. تسمرت نور في مكانها، وقد داهمت قلبها طعنة ألمٍ مباغتة لم تقوَ على كبحها. ولم تمضِ هنيهة حتى استجمعت شتات نفسها. ولج هاني غرفة المكتب. حيث كان الجد والجدة في انتظاره. "تدرك جدتك أنك لا تحب نور يا هاني، ولكن الجنين على وشك البزوغ، ونور في جوهرها امرأةٌ فذة؛ خريجة صروحٍ علمية عريقة وذات طبعٍ وئيد، وهي الأنسب لتكون ربة بيتٍ ترعى أطفالك." لاذ هاني بالصمت. غير أن تقوس حاجبيه بضيقٍ فضح مكنون صدره. ولم يغب ذلك عن فطنة الجدة؛ فنور بملامحها الباهتة لا تكاد تبدو كظِلٍّ بجوار حفيدها الوسيم. تحدث الجد الأكبر بنبرةٍ رصينة: "الوقت الراهن لا يحتمل أي اضطرابٍ في شؤونك الزوجية، فإن لم تجد في قلبك مودةً لها، فامنحها عامًا أو عامين ما لم تأتِ بفعلٍ مشين." أردفت الجدة مؤيدة: "نعم، فالكثير من الأعين تترقب عثراتك لتنسج منها القصص، فانتظر حتى يشتد عود طفلتك الصغيرة ثم افعل ما شئت." "..." لاذ هاني بصمتٍ مفكر لبرهة، وقد أُسدل على ملامحه الوسيمة ستارٌ من الغموض استعصى معه إدراك أفكاره، ليقول: "يا جدي، ويا جدتي، لقد وعيت قولكما." عادت نور لتمثل أمام الجدة الكبرى. رمقتها الجدة قائلةً: "لقد غادر هاني أولًا استجابةً لأمرٍ طارئٍ في الشركة، وسأمر السائق بإعادتكِ إلى منزلكِ." أومأت نور بهدوء: "حسنًا" وقبل رحيلها في ذلك اليوم. استوقفتها الجدة بتحذيرٍ: "حتى وإن كنتِ حاملًا، فلا تمهلي الحركة واعتني بجمالكِ؛ فحين كانت والدة زوجكِ والأخريات في مثل حالكِ، كنَّ يرافقن أزواجهن في المحافل ويدبرن شؤون الدار؛ فالشيء قد يكون سهل المنال في البداية، لكن الاستمرار في الحفاظ عليه أصعب بكثير." أدركت نور على الفور مغزى الكلام المبطن. فلم يكن اعتلاء منصب الكنة في عائلة النصّار بالأمر الهين قط. وإذا ما أرادت ترسيخ أقدامها وتحصين مكانتها، فلا مناص لها من الانسلاخ عن ثوبها القديم، وإعادة خلق ذاتها من جديد. وهي بحالها هذا، لن تكون إلا وصمةً في جبين هاني. لقد راودتها يومًا فكرة التغيير وتطوير الذات؛ فمارست رياضة "اليوجا" وحاولت تقليل وزنها، غير أن وهن عزيمتها حال دون ذلك، فاستسلمت لذبول الروح حتى ترهل جسدها أكثر فأكثر. بيد أن قول الجدة لم يخلُ من صواب؛ فعليها أن تخرج من حفرة هذا اليأس، ليس من أجل البقاء في حصن هاني، بل من أجل ذاتها المستقبلية. "سأعمل بنصيحتكِ يا جدتي." وعندما أسدل الليل ستاره. فوجئت نور بعودة الرجل الذي فاجأها بطلب الطلاق في الصباح. "أنتَ..." "أعدي لي حساءً يُفيقني من سُكر الخمر ثم أحضريه إلى مكتبي." قالها هاني ببرود وأنهى كلامه. ثم ارتقى الدرج شطر مكتبه. أفاقت نور من دهشتها وتوجهت إلى المطبخ لتعد الحساء المطلوب وتصعد به إليه. راح الرجل يقلّب أوراق الملف بين يديه بملامح يكسوها الصقيع، محاطًا بهالةٍ من الجفاء الموحش؛ هالةٌ تستعصي على أي دفءٍ بشري، وتخلق بينه وبين مَن حوله هوةً سحيقةً من الاغتراب. لم تشأ تعكير صفوه، فوضعت الحساء وانسحبت في هدوء. وعلى الرغم من عودته إلى المنزل، فقد ظلا ينامان في غرفتين منفصلتين. هو في الجناح الرئيسي بالطابق العلوي. وهي في غرفة الضيوف بالطابق الأرضي. في صبيحة اليوم التالي. أعدت الخادمة مائدةً حافلة احتفاءً بوجود هاني. تربع هاني على رأس المائدة، دون أن يرى أثرًا لنور. في سابق عهده بالمنزل، كانت نور تتولى كي ملابسه وإعداد فطوره بنفسها، مؤديةً دور الزوجة المطيعة ببراعة. إلا أن صباح اليوم جاء خاليًا من ثيابه المهيأة، وكان الفطور من صنع الخادمة فحسب. "أين هي؟" تساءل هاني بنبرةٍ يملؤها الضيق. انبرت الخادمة لبيبة علّام بالشكوى قائلة: "طرقتُ بابها فور مطلع الصباح، لكنها تأبى النهوض، وتصر على تناول طعامها في غرفتها، كما تعاملنا بجفاءٍ كأننا لا نعني لها شيئًا. حتى إذا سألناها عما تشتهيه، تلوذ بالصمت، ونحن لا نقرأ الأفكار يا سيدي لندرك مبتغاها. كما أن الأمر لا يعدو كونه حملًا، إذ أذكر حين كانت السيدة والدتك حاملًا بك، وكيف كانت تتفانى في خدمة عميد العائلة دون كلل. أما زوجتك فيبدو أنها جاءت إلى هنا لتنعم برغد العيش وحسب." عقد هاني حاجبيه بضيق، وأمر: "اذهبي واستدعيها." "أمرك." كانت نور قد استيقظت منذ أمد، لكنها كانت ترقب رحيل هاني لتخرج. في تلك اللحظة. اقتحمت لبيبة الغرفة دون استئذان، ورمقت نور الجالسة على الأريكة باحتقار قائلةً: "يبدو أنكِ تقمصتِ دور سيدة العائلة بحق. أكنتِ تنتظرين دعوةً رسميةً لتتفضلي بالقدوم؟" رفعت نور بصرها وردت ببرود: "وإن لم أكن أنا، فمن عساه يكون؟ أنت؟؟" طيلة الأشهر الماضية، ظلت نور مستكينةً خافضة الجناح، لا تنبس ببنت شفة. لم يَدُر بخلد لبيبة قط أن تتجرأ نور يومًا على أن ترد عليها بهذه الطريقة. "إن تجرأتِ مرةً أخرى على تجاوز حدودكِ معي، فلا تلومي إلا نفسكِ حين أطلع الجدة على كل ما اقترفتموه في هذا البيت، حسنًا؟" وبما أن الطلاق بات وشيكًا، لم يعد لديها ما تخشاه، فلماذا تحتمل الأذى وكل ما تبقى هو شهران؟ اتسعت عينا لبيبة دهشةً: "أنتِ..." كانت شهد قد هاتفتها بالأمس، توصيها بإيلاء نور عنايةً فائقة؛ فبرغم أن الجنين أنثى، إلا أنها ستكون الحفيدة الأولى والوحيدة لعائلة النصّار منذ ثلاثة أجيالٍ متعاقبة. ويا لحسن طالع تلك الفتاة.. أن تحظى ابنتها التي لم تبصر النور بعد، بكل هذه الحفاوة والتقديس من الجدة. كتمت لبيبة غيظها وتمتمت: "السيد ينتظركِ في غرفة الطعام." أثار الأمر تعجب نور. دلفت إلى غرفة الطعام. كان هاني يتناول فطوره، فرفع بصره إليها، ليرى نور ترتدي سترةً صوفية بيضاء استطالت وانمحت معالمها فوق جسدها المترهل، بينما كانت خطواتها ثقيلةً وبطنها الناتئ يوحي بعبءٍ هائل. استشعرت نور نظراته، فآثرت الجلوس في مقعدٍ بعيدٍ عنه، لتسمع صوته البارد وغير المبالي: "لبيبة وبقية الخادمات هنا هن من الرعيل الأول لخدم القصر العتيق، ولا يُعقل أن تتوقعي منهن الانصياع لكل أهوائكِ. فأنتِ حاملٌ وحسب، ولستِ مقعدةً لتعجزي عن خدمة نفسكِ." حاملٌ وحسب؟ بالطبع! فهذا الجنين الذي جاء على حين غرة لا يعني له شيئًا. ولا ريب أن هذا التوبيخ المفاجئ لم يكن إلا حصاد ما نفثته لبيبة في أذنيه. وهذه ليست حتى المرة الأولى. "إن كنَّ يجدن في خدمتي عبئًا، فليعدن إلى القصر العتيق، فأنا أقدر على رعاية نفسي." قالتها نور وهي تحرك ملعقتها في وعاء الحساء بهدوءٍ تام. فما زالت تطهو لنفسها، وتغسل ثيابها، وتنظف غرفتها، ولا يظهرن هنَّ إلا في حضور هاني لتمثيل دور الخدمة. عقد هاني حاجبيه بحدة. كانت نور تدرك أن هذا هو نذير غضبه. فهو رجلٌ يهوى السيادة سواء كان في عمله أو في بيته، ولا يرتضي ردًّا لقوله. "أنا أذكركِ بحدودكِ، لا أطلب رأيكِ." أطرقت نور برأسها، ولم تزد حرفًا. رأى هاني وجهها الخالي من الحياة، ووجهها الذي تشتد ملامحه قتامةً يومًا بعد يوم. فأمر لبيبة ومن معها ألا يتدخلوا في شؤونها ويتركوها تخدم نفسها بنفسها. اعتصرت نور أعواد الأكل بين أصابعها بقوة. وبعد انقضاء الفطور. غادر هاني الدار. وتوجهت نور شطر جامعة ألفا. ثم دلفت إلى مكتب حازم الصافي. خلف المكتب، جلس شابٌ يرتدي بزةً رسمية، واضعاً نظاراتٍ بلا إطار فوق أنفه الحاد، وتفيض ملامحه برزانةٍ ونضج. لم يتجاوز حازم التاسعة والعشرين من عمره، ومع ذلك كان أصغر أستاذٍ في كلية الاقتصاد بطلائع الجامعة، ونابغةً يُشار إليه بالبنان في الأوساط المالية. رفعت يدها وطرقت الباب برفق. رفع حازم بصره ليرمق المرأة الواقفة عند عتبة مكتبه، فتملكه الذهول لبرهةٍ عجز فيها عن تمييز هويتها، حتى نبست نور قائلةً: "أستاذ حازم." استعاد حازم رباطة جأشه ببراعةٍ حاذقة، وأجاب: "لقد جئتِ إذًا." نزعت نور قناعها الطبي ودلفت إلى جوف المكتب. "لم نرَ بعضنا منذ وقتٍ طويل يا أستاذ حازم." رسم حازم على ثغره ابتسامةً تفيض رقةً، وعقب: "أجل، وقتٌ طويلٌ فعلًا، حتى إنني كدتُ لا أعرفكِ." التوى ثغر نور بابتسامةٍ تفيض سخريةً من ذاتها، وتمتمت: "بحالي هذا، كدتُ أستحي من المثول أمامك." نهض حازم والتف حول مكتبه، ليواسيها قائلًا: "تبدل معالم الجسد أثناء الحمل أمرٌ طبيعي تمامًا فلا تقلقي، ستستعيدين رشاقتكِ المعهودة بمجرد أن تضعي مولودك." "تفضلي بالجلوس." اتخذت نور مجلسها فوق الأريكة. وراح حازم يسكب كوبًا من الماء الدافئ وناوله إياها، قائلًا: "تجرعي هذا ليدفأ جسدكِ." تلقته نور منه شاكرةً: "شكرًا." جالت عينا حازم فوق بطنها الناتئ، وتساءل: "في أي شهرٍ أنتِ الآن؟" ردت نور: "في أسبوعي الخامس والعشرين." استطرد حازم مستنتجًا: "إذن، بحلول موعد بعثتكِ وبدء دراستكِ في يناير القادم، سيكون موعد ولادتكِ قد حان." ناشدته نور برجاء: "أرجو من أستاذي مد يد العون؛ هل يسعني تأجيل التحاقي بالدراسة لبعض الوقت؟" فالولادة قضاءٌ لا مفر منه، غير أنها تأبى أن توصد في وجهها أبواب هذه الفرصة الذهبية. تساءل حازم بنبرةٍ تفيض جدية: "ما الدافع الحقيقي وراء رغبتكِ في الرحيل؟" أطرقت نور برأسها، وأجابت: "بمجرد أن أضع هذا الطفل، يعتزم هاني تطليقي. وأنا بدوري لم أعد أطيق الاستمرار في هذه الزيجة المشؤومة. جلّ ما أتمناه الآن هو أن أطوي هذه الصفحة وأبدأ حياتي من جديد." ستة أشهرٍ قد تبدو في عمر الزمن قصيرة، بيد أنها في ميزان وجدانها كانت كعناءِ دهرٍ كامل. عقد حازم حاجبيه أسفًا؛ فتلك الفتاة التي كانت يومًا تفيض حيويةً وإشراقًا قد استحالت في غضون شهورٍ معدودة إلى نقيضها، مما يشي بحجم العسف الذي كابدته روحًا وجسدًا. "يثلج صدري إصراركِ على النهوض من جديد، فالحق أنكِ وهاني خطان لا يلتقيان، ولا ريب أن الأيام ستسوق إليكِ من يقدر جوهركِ ويحبكِ بصدق." أومأت نور برأسها في صمتٍ مطبق. لقد عارض حازم سابقًا قرارها بالعمل مساعدةً لهاني، لكنها تمسكت بعنادها، فخرجت من تلك التجربة كجنديّ أنهكته أهوال الحرب. وبغتةً، تساءلت نور: "من وجهة نظرك يا أستاذ حازم، أي نوعٍ من الرجال هو هاني حقًا؟" صمت حازم لبرهةٍ غارقًا في التفكير، ثم نطق ببطء: "رجلٌ لا يتورع عن بلوغ مآربه بأي وسيلة، عابدٌ للمصلحة، لا مكان في قاموسه لشيءٍ يدعى الحب." "أحقًا!" بيد أن حنوه على تلك الغانية لم يكن زيفًا، فلعل الحب الصادق هو وحده ما يحني القامات الشامخة. إن الجمال الفاتن هو وحده اللائق برجلٍ كأمثاله. لم تزد نور على ذلك سؤالًا. "بما أنكِ عقدتِ العزم، فسأتولى بنفسي إجراءات تأجيل التحاقكِ بالجامعة." "شكراً لك يا أستاذي." ناولها حازم نموذجًا لطلب التأجيل. فأفرغت نور بياناتها فيه. "أستتركين الصغيرة في كنف آل النصار فور ولادتها؟" تساءل حازم فجأةً. ابتسمت نور بمرارة؛ فحتى لو رغبت في انتزاعها منهم، فذلك ضربٌ من المحال، وليس لها إلا الاعتذار لتلك الصغيرة، فقررت الرد: "لا بد أن آل النصار سيحيطونها بكل رعاية." لم يستطرد حازم في سؤاله، بل عرض قائلًا: "أنا بحاجةٍ لمساعدٍ لشهرٍ واحد فحسب، فهل تودين خوض التجربة؟" ردت نور دون أدنى تردد: "موافقة." فمنذ أن علق جنينها في أحشائها، نحاها هاني إلى ركنٍ منسي في سكرتارية المكتب، لتتهاوى من مقام مساعدته الأولى إلى مجرد طيفٍ هامشي بين ليلةٍ وضحاها، وتتبخر كل جهودها المضنية كهباءٍ منثور. فالآن هي في أمس الحاجة إلى الانخراط في عملٍ جديد يكون متنفسًا يصرف ذهنها عن أحزانها، ويدفع بعجلة حياتها المتوقفة للدوران من جديد. ولتهيئ نفسها لما هو آت أيضًا. كما أنها قد أخذت اليوم إجازةً من عملها على أية حال. وهكذا، حسمت نور أمرها وانخرطت في مهامها كمساعدةٍ للأستاذ؛ فهي في الأصل تلميذة حازم النجيبة، وبفضل تمرسها في العمل الشاق تحت إمرة هاني، لم تشكل أشهر الخمول والانكسار الماضية عائقًا أمامها، بل سرعان ما استعادت لياقتها المهنية المعهودة، لتنجز ما يُوكل إليها من مهام ببراعةٍ وإتقان. في تلك اللحظة... استشعرت نور طيف نفسها القديمة، واستردت إيمانها بقيمتها الجوهرية. وكما صدق حازم؛ فمكانها الطبيعي هو حيث يتوهج ذكاؤها في مضمار العمل، فلا ينبغي للحب أن يكون غاية الوجود الوحيدة. وعند حلول المساء. لم يطأ هاني عتبة الدار، كعادته التي لم تتغير إلا في ندرة النوادر. غير أن الأمر لم يعد يعنيها في شيء. وبحلول صبيحة اليوم التالي، كانت نور قد أعدّت استقالتها مسبقًا. يتولى هاني مقاليد الإدارة في الإمبراطورية المالية لمجموعة النصّار، والتي تضم تحت لوائها شبكةً من البنوك وصناديق الاستثمار. وفي حلبة المال والسلطة تلك؛ حيث تبلغ الدسائس والمؤامرات أشدها، وتفوح منها رائحة الدماء والمنافسة الشرسة، تمكن بجهوده الفردية من الهيمنة على القطاعات الحيوية للمجموعة، والمضي قدمًا في مسيرةٍ لا تتوقف من التوسع وابتلاع الكيانات المنافسة. وهو ما يقف شاهدًا جليًا، لا على رجاحة عقله الفذة ودهاء حيله فحسب، بل على ما هو أدهى من ذلك؛ قلبٌ من صقيع، لا يعرف للرحمة طريقًا. وصلت نور إلى مقر الشركة، لتتزامن خطاها مع ترجل هاني من مركبته. بقامته المديدة وبزته الفاخرة، ووسامته الطاغية، كان يفيض هيبةً ووقارًا، وقد أضفت عليه ثروته ومكانته سحرًا من نوعٍ خاص. "طاب صباحك يا سيد هاني." تعالت همسات الموظفين بالتحية والإجلال. أفاقت نور من ذهولها، وأطرقت برأسها، متراجعةً خطواتٍ إلى الوراء. جاوزها الرجل وكأنها هباءٌ منثور لا تراه عيناه، ومضى يخطو شطر الداخل. سلمت نور كتاب استقالتها لسارة. سارة هي سكرتيرة هاني. وقد كانت يومًا ما تحت إمرة نور في مكتب السكرتارية. لكن الأحوال تتغير وتتبدل. فقد دارت الدائرة لتصبح نور تحت رحمة سارة. وحين صدر قرار تخفيض رتبتها الوظيفية بغتةً في الماضي، خيمت الدهشة على أروقة القسم بأكمله؛ فقد تقلدت نور منصب "مساعدة الرئيس التنفيذي" فور تخرجها من الجامعة مباشرة. وهو منصبٌ حساس لا يعتمد على الكفاءة المهنية فحسب، بل يشترط التمتع بمظهرٍ خارجي جذاب بالقدر ذاته. ورغم أن نور كانت تفتقر إلى تلك السمات، بملامح وقوامٍ لا يتجاوزان الشائع، إلا أن الاختيار قد وقع عليها آنذاك، مما يقف دليلًا قاطعًا على أن كفاءتها الفذة كانت كفيلةً بأن تطغى على أي اعتباراتٍ شكلية أخرى. حتى الرئيس الصارم نفسه لم يبخل عليها يومًا بالثناء. بيد أن سارة ظنت أنها تدرك خبيئة الأمر. ففي نظرها لم تكن نور سوى متسلقةٍ جشعة؛ كمن يقبع في قاع الثرى ويطمع في بلوغ الثريا. سعت لانتزاع مكانتها عبر اتخاذ غرف النوم سلمًا للارتقاء. لذا، فمهما بلغت براعتها المهنية، ستظل في أعينهم مجرد امرأةٍ رخيصة لا خلاق لها. ومن أجل ذلك بالذات، رسخ هاني مقته لها، وبات ينفر منها من أعماق كيانه. تفرست سارة في الاستقالة، ثم جالت بنظراتها فوق بطن نور الناتئ، وفاض ثغرها بسخريةٍ لاذعة: "إن من شيم الكرام معرفة قدر أنفسهم، فلعلكِ تطيلين النظر في المرآة مليًا. لا تحسبي أن هذا الجنين سيفتح لكِ أبواب المجد، فانظري أين يقع مقام آل النصار، وأين يقع مكانكِ." أما حقيقة زواجها الرسمي من هاني، فقد ظلت سرًا لم يطرق مسامع أحدٍ من العاملين بالشركة. "أريد تقرير التحليل المالي لقوائم شركة 'القمة' منجزًا قبل استراحة الظهيرة." عادت نور إلى صومعتها في مكتب السكرتارية ممتثلةً للأمر. وعلى الرغم من تقليل رتبتها إلى رتبة موظفةٍ مغمورة في مكتب السكرتارية، إلا أن سارة تعمدت إغراقها بمهامٍ مضنية لا تمت لتوصيفها الوظيفي بصلة. أما نور... فبصمتٍ مطبق تجرعت كل ذلك التعنت دون اعتراض. ولم يكن صبرها الجميل وتفانيها في العمل سوى ضربٍ من خداع النفس؛ فهي تدرك يقينًا أن هاني لن يتنازل ليلقي عليها ولو نظرةً عابرة. فرغت نور من إعداد التقارير، وسلمت النسخ الورقية والإلكترونية لسارة، ثم طلبت وجبةً سريعة من المطاعم الخارجية. ورغم توفر مقصفٍ في الشركة، إلا أنها اعتادت إحضار طعامها معها؛ فهي تنفر من الزحام، وتأبى أن تكون عرضةً لسهام النظرات المتفحصة، ولا طاقة لها بمخالطة البشر، فجلّ ما تنشده هو الانزواء بنفسها في هدوءٍ تام. وبما أنها لم تجهز طعامًا لها اليوم، فقد اكتفت بطلب وجبةٍ سريعة لتسد بها رمقها. وفي انتظار وصول الطعام. دلف بعض الزملاء إلى المكتب بعد فراغهم من الغداء، وصيحات الإعجاب والدهشة تسبقهم. "يا للهول، فتاة رئيسنا هاني يافعةٌ للغاية، أكاد أجزم أنها لم تغادر مقاعد الجامعة بعد!" "لا ريب في ذلك، فجمالها أخاذ، وكأنها دميةٌ نادرة نُحتت بدقةٍ متناهية." "نظرات الرئيس إليها تكاد تقطر رقةً وحنانًا! لم أتخيل يومًا أن رئيسنا الصارم يخبئ بين جوانحه كل هذا العشق.. كما لو أنها نسخةٌ واقعية من حكايات الملياردير المتسلط وأميرته المدللة!" "..." تجاذبت زميلتان أطراف الحديث وهما تدلفان إلى المكتب، قبل أن تقع أعينهما على نور القابعة في مكتبها، تجلس هناك كتمثالٍ صخريٍ كئيب. فمنذ نُحيت عن منصبها، أوصدت أبواب التواصل مع الجميع ما إن لم يطلب العمل كذلك، واستحالت إلى كائنٍ منعزل، تخفي وجهها خلف قناعٍ طبي وكأنها تفر من ملاحقة العيون. إذ استحال على عقلٍ أن يصدق بأن هذا الحطام المترهل كان قبل أشهرٍ معدودة تلك المساعدة المتألقة التي تتجه نحوها الأنظار. انتشلها رنين هاتفها من غياهب أفكارها، لتنهض متجهةً لتسلم طعامها. وحين وصلت إلى ردهة الاستقبال. صادف ذلك دخول عاملين من أحد الفنادق يحملان وجبات طعامٍ، توجها للاستفسار من موظفة الاستقبال، التي بادرت بدورها بتمرير بطاقتها لتشغيل المصعد المخصص للرئيس التنفيذي من أجلهما. لمحت نور زجاجة نبيذٍ فاخرة بين أيديهم، يلامس ثمنها مائتي ألف دولار، وهو مبلغٌ لا يعدو كونه ربح ثوانٍ معدودة في إمبراطورية هاني. قبضت على وجبتها البسيطة من الأرز واللحم، ثم صعدت أدراجها في صمت. الساعة الثانية بعد الظهر. استدعت سارة نور قائلة: "الرئيس يطلبكِ في مكتبه." انتفضت أوصال نور، فثمة نذيرُ شؤمٍ مجهول بات يعبث بوجدانها. ولم يخِب حدسها. فما إن ولجت مكتب هاني، حتى لفحت وجهها هالةٌ من الوجوم الخانق؛ فخطت شطر مكتبه متمتمة: "سيد هاني." رفع هاني بصره إليها، بملامحٍ جذابة يكسوها صقيعٌ مميت، ثم رشقها بالأوراق التي بين يديه لتتناثر أمام وجهها هاتفًا: "أهذا هو التحليل الذي عكفتِ على إعداده؟" خدشت حافة الورق الحادة وجنة نور فاستبد بها ألمٌ مباغت، وبينما كانت التقارير تتساقط عند قدميها، أدركت بمرارة أنها النسخة ذاتها التي سلمتها صباحًا. أسندت نور ثقل أحشائها بيد، وانحنت بجهدٍ مضنٍ لتلتقط الأوراق المبعثرة من فوق الأرض. لم تتحرك في هاني شعرة، بل ظل يراقب حركاتها الوئيدة بعينين تخلو من أي رحمة. تفرست نور في أرقام التقرير، فلاح لها على الفور تلاعبٌ خبيث في الحسابات لم تقترفه يداها، فانبرت تدافع عن نفسها: "سيد هاني، هذا التقرير لا يمت بصلة لما أعددته." "كفى، لستُ في مزاجٍ لسماع أعذارك." اعتصرت نور الأوراق بين كفيها بقوة. فهاني لم يجهل قدراتها، بل كان يدرك يقينًا أنها ضحية مكيدة، غير أنه آثر مباركة هذا الظلم ببروده القاتل. أن تبلغ كراهية الرجل الذي تعشق هذا المدى من العمى، لهو أمرٌ يجعلها حقًا مثيرةً للشفقة والسخرية. أخذت نور نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها لبرهة قبل أن تفتحها مجددًا وتنطق بنبرةٍ استمدت قوتها من قاع اليأس: "لقد احتفظتُ بنسخةٍ احتياطية من عملي، وسأرسلها إليك في الحال لتفحصها، ولك حينها أن تصب جام غضبك عليّ إن وجدتني مقصرة." ضاقت عينا هاني، وومض فيهما شرر ضيقٍ واضح. ظلت أعصاب نور مشدودة، فقد كانت تكنّ لـهاني رهبةً تسري في عروقها؛ تلك الرهبة التي تفرضها سطوته وسلطانه، خاصة حين يستحيل وجهه إلى قطعة صخرٍ لا تلين، فحينها لا تجرؤ قط على النبس بكلمة اعتراضٍ واحدة. لكنها جردت نفسها من كل قيد اليوم؛ فما دام الطلاق قد دنا، وما عادت ترجو منه نفعًا، ولن تطأ قدمها هذا المكان مجددًا، فبأي حقٍ تظل أسيرةً لخوفها؟ "أتشعرين بالظلم؟" خرج صوت الرجل كشظايا جليدٍ تخترق العظام، مشبعًا بسخريةٍ لاذعة. جابهت نور نظراته الثاقبة، وغرزت أظافرها في كفيها لتقول بصوتٍ جهوري: "ألا يحق لي أن أثبت براءتي حين تُكال لي التهم دون وجه حق؟" استحال وجه هاني إلى كتلةٍ من الصقيع ليرد: "ذاك هو جزاؤكِ المستحق." أحست نور بطعنةٍ غائرة في نياط قلبها، واستحالت سحنتها إلى شحوب الموت. في تلك اللحظة. انفتح باب الغرفة الملحقة بالمكتب. لتطل منها فتاةٌ يافعة ترتدي ثوب نومٍ من الحرير الوردي، بشعرٍ فاحم السواد وبشرةٍ تفيض بياضًا، بملامح خلابةٍ تأسر الألباب. "هاني!" انساب صوتها كرذاذ المطر، رقيقًا عذبًا، يستميل القلوب. رأت نور وجهها أخيرًا؛ جمالٌ يورث المهانة في نفس من يراه، ويجعل المرء يزدري ذاته. لم تكد نور تطيل النظر، حتى زجرها هاني بصرخةٍ مدوية: "انصرفي من هنا!" أشاحت نور نظرها بعيدًا، وحاولت كبح مشاعرها بكل ما أوتيت من قوة وهي توليه ظهرها مغادرةً المكان. وما إن جاوزت عتبة الباب. تناهت إلى مسامعها كلمات الفتاة الرقيقة وهي تهدئ من روع هاني، وكيف استكان الرجل لسطوتها الناعمة في طرفة عين. "..." رفعت نور رأسها عاليًا، محاولةً وأد الدموع في محاجرها. انزوت في ركنٍ مهجور من المبنى، حيث لا تطالها الأعين، وهنالك انهارت حصونها؛ فانهمرت الدموع بغزارةٍ على خدها، بينما اعتصر قلبها ألمٌ بلغ أوجاعه معدتها. إن انتزاع حبٍ سكن الوجدان لثماني سنوات ليس سوى عملية سلخٍ للروح، ونزفٍ لا ينقطع، لكن لا بأس؛ فقد أقسمت أن تمضي في هذا الدرب وتواري ذكراه التراب. لم تدرِ كم انقضى من الوقت قبل أن تستعيد رباطة جأشها. وبينما كانت تصعد الدرج متجهةً إلى مكان عملها، صادفت فتاةً مقبلةً نحوها، تتألق بملابس فاخرة مصممة خصيصًا لها، وتنبض بالأناقة المفرطة من رأسها حتى أخمص قدميها، فتاةٌ يدرك رائيها من الوهلة الأولى أنها "ابنة عز" نشأت في رغد العيش وترعرعت في كنف الدلال. رافقها ياسين الجمالي شخصيًا؛ وهو المساعد الخاص لـهاني. وما إن لمحت الفتاة نور، حتى تقدمت نحوها بابتسامةٍ خافتة، وتوقفت أمامها قائلةً بنبرةٍ ناعمة: "لقد انتهى الأمر، ولن يلومكِ هاني بعد الآن." وبينما تتحدث، مدت يدها إلى حقيبتها لتخرج حبة لؤلؤ، ثم أمسكت بيد نور ووضعتها في باطن كفها قائلةً برقة: "هذه لكِ، فلا تحزني، وتذكري أن تعالجي الجرح الذي بوجهكِ، فليس من الجميل أن تُترك ندبةٌ على وجه فتاة." يا لها من فتاةٍ تفيض نقاءً وطيبة. فبجوار هذا الإشراق، بدت نور كأنها بهلوانٌ بائس يعيش في غياهب الظلال. وإزاء صمت نور المطبق. عقد ياسين حاجبيه محذرًا: "ألا تتقدمين بالشكر للآنسة لينا؟" إذن، فاسمها لينا. سحبت لينا الرشيدي يدها برفق قائلة: "لا بأس. لنذهب!" غاب طيفهما عن الأنظار. تسمرت نور في مكانها، تتأمل حبة اللؤلؤ الأبيض ذات اللمعة الزرقاء الفضية في باطن كفها، لؤلؤةٌ خالية من الشوائب، تشبه في نقائها براءة تلك الفتاة. هل تدرك هذه الآنسة حقيقة زواج هاني أم أنها غارقة في جهلها؟ عادت نور إلى مكتبها. طبعت نور نسخة أخرى من التقرير الأصلي ووضعتها أمام سارة، وما إن رأتها الأخيرة، حتى خلت ملامحها من أي ذرة خجل، بل طفحت بنظرات الزهو والتعالي. "أبصرتِ بعينيكِ الآن من هي المرأة التي تليق بمقام الرئيس حقًا." ألقت نور الملفات بقوةٍ أمامها، لترد: "مما يعني إن كنتُ أنا لا أليق به، فأنتِ كذلك لا تليقين. ومن لا تجيد سوى هذه الحيل الرخيصة، لن تحظى بأي مستقبلٍ يُرجى طيلة حياتها. لقد تجاوزتِ الثلاثين من عمركِ، فالأجدر بكِ أن تسارعي بالبحث عن زوجٍ لكِ، وتتوقفي عن العيش في أحلام اليقظة." تغيرت ملامح سارة مما سمعته، وهوت بكفها فوق سطح المكتب بعنف وهي تنتصب واقفةً صائحة: "نور!" بيد أن نور لم تعرها أدنى التفاتة، بل ولّت شطر الخارج دون أن تلتفت خلفها. وعادت إلى مكان عملها. استلت نور مرآةً صغيرة من حقيبتها، وتفرست في ذلك الأثر الدقيق الذي خلفه الورق فوق وجنتها؛ لم يكن الجرح غائرًا، فاكتفت بمسحه بمنديلٍ مبلل دون عناءٍ إضافي، فما قيمة ندبةٍ أخرى فوق وجهٍ فقد كل مقومات الحسن؟ عاد طيف تلك الفتاة ليؤرق مخيلتها مرةً أخرى، بشعورٍ غامض بأن ملامحها لم تكن غريبةً عنها قط. وقبيل انقضاء ساعات العمل. تلقّت نور اتصالًا من والدها، يزف إليها نبأ عودة طارق، ويدعوها لمشاركتهم مأدبة العشاء في دارهم. تملكت الدهشة نور وهتفت: "أحقًا عاد أخي طارق؟ ألم يقرر العودة في منتصف الشهر؟" أجابها الأب: "لقد فرغ من عمله مبكرًا فعجل بالعودة." "حسنًا، سآتي إليكم فور انصرافي من العمل." استقلت نور مركبتها واتجهت صوب دار عائلة السيوفي. تقع الدار داخل مجمعٍ سكني متوسط المستوى في غرب المدينة، وهي عبارة عن شقةٍ فسيحة تم شراؤها حديثًا من مالكٍ سابق. يدير والد نور شركةً عقارية متوسطة، وعلى الرغم من أنها لا تصنف ضمن القلاع المالية الكبرى، إلا أنها كانت تضمن لهم رغد العيش، لذا نشأت نور وفي فمها ملعقةٌ من ذهب هي الأخرى. بيد أن رياح الركود العقاري عصفت بطموحاتهم، وقبل أشهرٍ معدودة، واجهت الشركة أزمةً مالية خانقة إثر استثماراتٍ خاسرة وضعتها على شفا الإفلاس، وحين علم والدها بحملها من هاني، لم يطالبها بتوضيحٍ أو رد اعتبار. تفرست نور في وجه والدها الذي نال منه الذبول وهو يبيع ممتلكاته سدًا لثغرات الديون، فعقدت العزم على طرق أبواب آل النصار؛ وفي قرارة نفسها، كانت تخبئ غايةً تتجاوز إنقاذ أبيها، غايةً تخص قلبها هي. وعلى الرغم من بلوغها مرادها، إلا أن عائلة السيوفي لم تسدد ديونها إلا بفضل ذلك "المهر" السخي الذي بذله آل النصار. لكنها دفعت ثمنًا باهظًا لذلك. لذا، فإن كل ما تتجرعه اليوم من ألم ليس سوى حصادِ ما زرعته يداها، ولا يحق لها لوم أحد. وصلت إلى الدار. أطلت ليلى من المطبخ قائلة: "لقد جئتِ أخيرًا يا نونو." في ربيعها التاسع، انقشع ضباب الاستقرار عن حياتها بطلاق والديها؛ إذ رحلت الأم مصطحبةً معها أخاها الأكبر، وتركتها وحيدةً في كنف أبيها. لاحقًا، ارتبط والدها بليلى رضوان، وتعايشا كرفيقي دربٍ دون عقد زواجهما رسميًا. في البداية، أوصدت نور أبواب قلبها في وجه ليلى، بل وأضمرت لها الكره حتى، لكن بمرور الأيام، استشعرت صدق ودها، كما أحاطها طارق— ابن ليلى— برعايةٍ فائقة، ليعوضها بفقد أخيها أخًا جديدًا لا يقل عنه حنوًا. "خالتي ليلى، أين أبي والبقية؟" "من المفترض أنهم في الطريق وسيعودون قريبًا. فلتستريحي قليلًا أولًا ريثما يعودون." "ممم، حسنًا." "..." آوت نور إلى غرفتها؛ فرغم زواجها، ظل والدها يحتفظ لها بغرفة نومٍ أعاد تجديدها وفق ذوقها. وبمجرد عودتها إلى رحاب منزلها، تبددت غيوم التعب والضيق في طرفة عين. جلست فوق حافة الفراش، ووقعت عيناها على ألبوم الصور المستقر فوق المنضدة المجاورة للسرير، فمدت يدها لتلتقطه، وفتحته، لتكون الصورة الأولى التي تطالعها هي صورةٌ عائلية ممزقة. كانت الصورة قد نال منها الشحوب بفعل الزمن. في ذلك العام، كانت في ربيعها الثامن. يظهر فيها والدها في ريعان شبابه بملامح وسيمة وهو يحملها، وبجوارهما أخوها ذو الأربعة عشر ربيعًا، بينما تقف الأم في الطرف الآخر. كانت تلك الصورة التي مزقتها نور بيديها. إذ لم تكن تدرك حينها لِـمَ آثرت أمها الرحيل مع أخيها وتركها مع أبيها، لكن مع مرور السنين، خفت وطأة ذلك الألم الذي كان يمزق نياط قلبها واضمحل. انتقلت إلى الصفحة التالية. لتظهر صورة فتاةٍ مراهقة تفيض صبابةً وجمالًا، ترتدي تنورةً بيضاء طويلة وقبعة تخرج بنيةً فاتحة، تقف تحت شلالات أوراق الجنكة الذهبية، والشمس تغمر ملامحها بابتسامةٍ ساحرة. شعرٌ فاحم السواد، ووجهٌ بيضاويٌّ رقيق، وتقاسيم تفيض فتنةً كالقمر ليلةَ تمامه، ولا سيما عيناها اللتان تتلألآن كنجوم السماء. بيد أن الأقدار كانت لها بالمرصاد؛ إذ استبدّ بها سقمٌ عضال، وأنهكت العقاقير الهرمونية جسدها الغض، فاستسلمت للترهل والبدانة، ولم تفلح محاولات الحمية في ردع ذلك، فلم يعد أمامها خيار سوى اللجوء إلى الجوع وممارسة الرياضة، لا لشيءٍ سوى للحيلولة دون اكتسابها المزيد من الوزن وفجأةً، دهمت نور فكرةٌ صعقتها؛ فملامح تلك الفتاة التي رأتها اليوم تشبه إلى حدٍ مذهل صورتها القديمة، لا سيما بريق العينين. طق، طق، طق. "نونو، لقد عاد والدكِ وشقيقك." صدح صوت ليلى من الخارج وهي تطرق الباب. دون إطالةٍ في التفكير، وضعت نور ألبوم الصور جانبًا، ونهضت لتغادر غرفتها. وما إن وقع بصرها على العائدين حتى هتفت ببهجة: "أبي! أخي!" التفت طارق وأبوها محمود نحوها. حياها طارق قائلًا: "لقد أحضرت لكِ هديةً يا نونو، فتعالي لترَيْ إن كانت ستروق لكِ." اقتربت نور بلهفة وسألت: "ما هي؟" وضع طارق ما يحمله من حقائب كثيرة على الطاولة. ثم أخرج علبة مجوهراتٍ فاخرة وناولها إياها قائلًا: "افتحيها." تناولتها نور ببهجةٍ، لتجد بداخلها سوارًا ذهبيًا متقن الصنع، فقالت بامتنان: "شكرًا لك يا أخي، لقد أحببته كثيرًا." "يكفيني أنه أعجبك." قالها طارق وهو يربت على رأسها بحنانٍ أخوي. كان طارق قد ابتاع لـليلى سوارًا ذهبيًا آخر يليق بها، وأحضر لكلتيهما مستحضرات للعناية بالبشرة، بينما أهدى لمحمود أصنافًا فاخرة من الشاي، إلى جانب بعض الهدايا التذكارية من سفره. كانت الأجواء تنبض بدفءٍ عائلي يبعث على السكينة. فبين جدران هذا البيت فقط، تسترد نور أنفاسها وتشعر براحةٍ لا مثيل لها. سألها طارق باهتمام: "متى موعد ولادتك المرتقب يا نونو؟" فبطنها البارز يوحي بأنها في أواخر أيام حملها. أجابت: "لا يزال أمامي أكثر من ثلاثة أشهر." علقت ليلى بابتسامة: "يبدو من هيئة حملكِ أنكِ سترزقين بفتاة يا نونو." أومأت نور مؤكدة: "هي فتاةٌ بالفعل." سأل محمود: "هل تأكدتم من الطبيب؟" أدركت ليلى شيئًا ما، فبدت عليها ملامح التوتر فجأة. "نعم، لكن جدة عائلة النصار تولي هذا الجنين اهتمامًا بالغًا." تنهد محمود بارتياح وقال: "حمدًا لله.. ما دامت الطفلة بينكما، فستتحسن الأمور تدريجيًا بينك وبين هاني بمرور الوقت." أطرقت نور برأسها، وقد جثم ثقلٌ مفاجئ على صدرها. لم تدرِ كيف تتفوه بالأمر؛ فـهاني قد حسم قراره وطالبها بالطلاق. ولم يكن إخفاء أمرٍ كهذا ممكنًا، خاصةً وأنها قد عقدت العزم على مغادرة خليج المياه الضحلة والعودة للعيش هنا. قررت أن تنسى الأمر حاليًا. وأن تؤجل هذا الحديث الثقيل إلى ما بعد العشاء! أعدت ليلى مائدة عشاءٍ عامرة بما لذ وطاب. كان طارق قد أسس شركةً للتكنولوجيا بالشراكة مع أحد أصدقائه. وقبل عامين، في بدايات التأسيس، لم يتردد محمود لحظةً في منحه رأس المال المبدئي. واليوم، تشهد الشركة نموًا متسارعًا، لا سيما في مجال تقنيات الذكاء الاصطناعي، وكانت رحلة عمله الأخيرة مخصصة لعقد شراكةٍ تكللت بالنجاح التام. في غضون ذلك، كان محمود يضع اللمسات الأخيرة على إجراءات تصفية وبيع شركته الخاصة. فبرغم أن المهر الضخم الذي قدمته عائلة النصّار قد منح الشركة قبلة الحياة لفترة، إلا أن تدهور المناخ الاقتصادي العام جعل من مسألة تغيير مسار العمل تحديًا شاقًا، واستحالت معها مواصلة الإدارة. فقد تقدم به العمر، وخارت قواه عما كانت عليه في سابق عهده. وفي المقابل، كان يرى في شركة طارق مستقبلًا واعدًا. ومع اقتراب جولة التمويل الجديدة للشركة نهاية العام، وجدها فرصةً مثالية لبيع شركته وضخ أموالها كاملةً لدعم مشروع طارق. وفي غمرة هذا التجمع، زفّ محمود خبرًا سارًا؛ إذ أعلن عزمه عقد زواجه من ليلى رسميًا. ما إن سمعت ليلى كلماته، حتى اغرورقت عيناها بالدموع. فسنوات الرفقة الطويلة والانتظار قد أتت بثمارها أخيرًا. لم تبدِ نور أي اعتراض، فهي تعلم يقينًا أن عزوف والدها عن الزواج طيلة الفترة الماضية كان مرده إلى بقايا وفاءٍ لوالدتها التي لا تزال ذكراها حيةً في قلبه. ولطالما تساءلت في قرارة نفسها عن السر الذي دفع والدتها لطلب الطلاق والتخلي عن رجلٍ بنبل أبيها. لكن لم يعد لذلك أي أهمية الآن. ففي مثل هذا اليوم المبهج، لم يطاوعها قلبها على تعكير صفو هذه الأجواء الاحتفالية. غير أنها، وبعد صراعٍ مرير، ابتلعت غصتها ونطقت أخيرًا: "أبي... خالتي ليلى... طارق... هاني يعتزم تطليقي." وما إن سقطت كلماتها، حتى خيم صمتٌ مطبق على غرفة الطعام، واكفهرت وجوه الحاضرين، لا سيما محمود الذي أطرق برأسه وقد تشنجت ملامحه. كان هذا المصير متوقعًا، لكن لم يخطر ببال أحدٍ أن النهاية ستحل بهذه السرعة. فرغم المصاهرة بين العائلتين، لم تُقم أي مراسم زفاف، واقتصر الأمر على عقد زواجهما وتوثيقه. وطيلة الأشهر الماضية، لم ترَ حبالُ ودٍ بين العائلتين تمامًا. حتى أن هاني لم تطأ قدماه عتبة منزلهم قط. وفي الأعياد والمناسبات، لم تكلف عائلة النصّار خاطرها بإرسال أي هدايا، بل كانت نور تعود بمفردها في كل مرة، فترى محمود وليلى يجهزان الهدايا لتقديمها لعائلة زوجها. وهناك، كانت الجدة تتسلمها بمجاملةٍ باردة، لتعلم نور لاحقًا أنها توزعها على خدم القصر العتيق. أما شهد، فكانت تأمر الخدم برميها في سلة المهملات أمام ناظريها، ساخرةً منها ومطالبةً إياها بالكف عن جلب هذه الأشياء التي "لا تليق بمقامهم". حتى هاني نفسه اكتفى بتوبيخها محذرًا إياها من تكرار هذه "التصرفات العبثية". في زيجةٍ مختلة الموازين كهذه، كان الفراق مسألة وقتٍ لا أكثر. ضغطت نور على شفتها السفلى وتابعت: "لكن الطلاق لن يقع إلا بعد ولادة الطفلة. وقد اتفقت بالفعل مع أستاذ حازم على السفر في شهر فبراير القادم لمواصلة دراستي العليا في جامعة ستانفورد." بادر طارق بتبديد غيوم الصمت قائلًا: "قرارٌ صائب، ففتاةٌ بذكائكِ وكفاءتكِ لا ينبغي أن تُدفن حيةً في مقبرة زواجٍ بائس. ومهما كان قراركِ، فأنا أدعمكِ قلبًا وقالبًا." ابتسمت نور وأومأت برأسها شاكرةً: "شكرًا لك يا أخي." أطلق محمود تنهيدةً محملةً بأطنانٍ من العجز وعذاب الضمير، قبل أن يقول: "فليكن الطلاق إذن. الذنب ذنبي أنا يا ابنتي، فنحن أناسٌ بسطاء، وما كان لنا أن نتطاول لنطال سماء عائلةٍ كعائلة النصّار." لم تتمالك نور دموعها التي طفرت من عينيها. وشعرت فجأة بكل آلام الأشهر الماضية تتضاءل حتى لا تعنى شيئًا؛ فما دامت تستند إلى جدار عائلتها الصلب، فلا توجد عقبةٌ تستعصي على التجاوز. أسرعت ليلى تمسح دموعها بمنديلٍ ورقي، وتغمرها بكلمات المواساة والحنان. وفي النهاية، استعادت العائلة دفئها، وأكملوا عشاءهم بقلوبٍ متآلفة ومطمئنة. وفي تلك الأثناء... في مجمع فيلات "الضاحية الجنوبية الأولى" – وهو مجمعٌ مضى على وجوده أكثر من عشرين عامًا ويُعد من أحياء الأثرياء القديمة ذات البنية التحتية المتقادمة– تحركت سيارة "بنتلي" فارهة ببطء لتتوقف أمام بوابة الفيلا رقم 12؛ وهي ذات الفيلا التي اضطرت عائلة محمود إلى بيعها. انخفض زجاج النافذة بهدوء، كاشفًا عن وجهٍ جانبي يتمتع بوسامةٍ خالية من العيوب. صوّب الرجل نظراته نحو الفيلا التي كانت تغمرها الأضواء الساطعة. انعكس ضوء مصابيح الطريق الدافئة في مقلتيه، ليفضح ما يعتمل فيهما من مشاعر معقدة ووحدةٍ موحشة. أشاح بنظره أخيرًا، وأشعل سيجارةً. وفي تلك اللحظة... اهتز هاتفه معلنًا عن اتصال. التقطه ورد بنبرةٍ يكسوها الود: "ما الأمر يا لينا؟" جاءه صوتها المتدلل من الطرف الآخر: "متى ستصل يا أخي؟ أتضور جوعًا، وهاني يرفض أن أسبقك بتناول الطعام!" تلاه مباشرةً صوت هاني العميق المفعم بالتدليل: "ومن التي طلبت مني قبل قليل أن أمنعها من الإفراط في الأكل؟ والآن تلقين باللوم عليّ؟" تأففت لينا بدلال. "إن شعرتِ بالجوع فابدئي بتناول طعامك. أنا في طريقي إليكم." أنهى المكالمة، وسحق عقب سيجارته. ألقى سيف نظرةً أخيرة عبر النافذة نحو الفيلا، قبل أن يرفع الزجاج وينطلق بسيارته مبتعدًا عن المكان. باتت نور ليلتها في كنف عائلتها. وكانت تلك الليلة هي الأكثر سكينةً وطمأنينة منذ أمدٍ بعيد. وفي صبيحة اليوم التالي. انهمكت ليلى في المطبخ لإعداد الفطور، وتفرغت لطهو حساء الدجاج خصيصًا من أجل نور، كما جهزت لها غداءً متكاملًا أودعته في حافظة طعامٍ حرارية لتصطحبه معها إلى الشركة. كانت نور قد أفضت إليهم البارحة بقرار استقالتها، وعزمها على العمل مساعدةً لحازم مدة شهرٍ واحد. في بادئ الأمر، قوبل قرارها بالرفض، وناشدوها التفرغ للراحة وصون جنينها. غير أن نور تمسكت بموقفها، مؤكدةً أنها لا تعاني من خطبٍ سوى ثقل جسدها، وأن إنجاز بعض المهام اليسيرة لن يضرها في شيء، بل إنها في أمس الحاجة لتبديل الأجواء والانخراط في عملٍ يلهيها، وإلا ستستبد بها هواجسها وتوردها موارد الهلاك. وأمام إصرارها، آثر والدها الصمت ولم يعقب بشيء. حاولت نور مد يد العون في المطبخ، بيد أن ليلى أبت ذلك بشدة. فلم تلح نور في طلبها، بل جلست فوق الأريكة تتصفح هاتفها باحثةً عن مركزٍ لتمارين اليوجا المخصصة للحوامل. وبعد أن استقرت على خيارٍ بعينه، عزمت على تحديد موعدٍ لزيارتهم. ومضت تقلب في صفحات وسائل التواصل. حتى شحب وجهها بغتةً. لقد طالعت منشورًا في تطبيق "فيسبوك". كان المنشور عبارة عن ألبوم صورٍ حافل لأمسيةٍ صاخبة، تظهر في خلفيته أروقة نادٍ ليليٍ بالغ الفخامة. ناشر الصور لم يكن سوى سامر العشري، أحد المقربين من دائرة هاني، والذي تبادلت معه طلبات الصداقة حين كانت مساعدة هاني. ذُيلت الصور بعبارة: "أمسيةٌ عامرة، ملاحظة: يومٌ آخر نتجرع فيه مرارة عزوبيتنا أمام هذا العشق الطاغي، متى نشرب نخب زفافكما؟" وبرزت بين الصور ثلاث لقطاتٍ تجمع هاني بلينا. وفي الصورة المركزية، تظهر لينا وهي تواري وجنتيها خجلًا وتلوذ بحضن هاني، بينما يحيط الرجل البهي كتفيها بذراعٍ قوية، ويرمقها بنظرةٍ تفيض حنوًا ورقة من عليائه. كانت رائحة العشق تنضح من تفاصيل الصورة لتكاد تخترق الشاشة. وإن كانت دائرة هاني المقربة تدرك يقينًا أنه رجلٌ متزوج، إلا أنهم في قرارة أنفسهم يرون أن نور لا ترقى لمقامه بأي حال. لذا، فليس من المستبعد أن يكون سامر قد تعمد نشر هذه الصور لتنال من كبرياء نور. استبد بقلب نور ألمٌ مبرح واعتصر صدرها، حتى كادت أنفاسها أن تنقطع. أغلقت الهاتف بحدة. نهضت ومشت صوب الشرفة لتستنشق بعض الهواء، وتلجم مشاعرها الهائجة، محاولةً إقناع نفسها بأن الأمر لم يعد يعنيها في شيء، ولا جدوى في التفكير فيه. امتدت يدها لا إراديًا لتمسح فوق بطنها المكوّر. وهوى قلبها كحجرٍ ثقيل. ففور وقوع الطلاق، سيُعجل هاني بلا شك في زفافه من لينا، وسينجبان أطفالًا يغدق عليهم من فيض حبه الذي يكنه لأمهم، فما مصير هذا الجنين الذي بين أحشائها حينها؟ وهل سينال ولو فتاتًا من عاطفة الأبوة المزعومة؟ "نونو، حان وقت الطعام." تناهى إلى مسامعها نداء ليلى. انتزعت نور نفسها من دوامة أفكارها، وتنفست الصعداء، ثم جففت عبراتها المتسللة، وغادرت شطر غرفة المعيشة قبل أن تتوجّه إلى دورة المياه. وما إن خرجت، حتى استعادت قناعها الهادئ المعتاد. وبعد الفراغ من الفطور. تكفل طارق بتوصيل نور إلى وجهتها. طوال مسيرتهما. استشف طارق غيوم الكآبة التي تظلل ملامح أخته، فتساءل: "ما الخطب يا نونو؟" هزت نور رأسها نفيًا، لا تقوى على النطق بشيء. أردف طارق بنبرةٍ تقطر إشفاقًا: "نونو، كتمانكِ للهموم وأنتِ حامل لن يعود عليكِ ولا على جنينكِ إلا بالسوء." لاذت نور بالصمت طويلًا قبل أن تنبس قائلة: "لا شيء يذكر؛ كل ما في الأمر أن هاني قد اتخذ خليلةً أخرى، وما زلت أكابد لتقبل الفاجعة، لكن لا بأس، سأتجاوز الأمر قريبًا، فلا تحمل همًا يا أخي." نطقت بكلماتها وكأنها تروي حكايةً لا تعنيها. أدرك طارق حجم الجحيم الذي يستعر في صدرها، لكنه عجز عن صياغة مواساةٍ تليق بحزنها، فاكتفى بالقول: "الأيام كفيلةٌ بغسل الجراح، وسيهون كل شيءٍ رويدًا رويدًا." أومأت نور برأسها دون أن تزيد. ولدى بلوغها مقر الشركة، ترجلت نور من المركبة حاملةً حافظة طعامها الحرارية، وودعت طارق قبل أن تولي وجهها شطر المدخل. وما إن وَطِئَت قدماها بهو الشركة، حتى تلاقت عيناها بهاني مجددًا. كانت غاية بقائها في هذا المنصب الوضيع، رغم جفائه وهجره لدار الزوجية، هي أن تحظى برؤيته في أروقة العمل كل يوم. غير أن الأشهر الماضية كانت شحيحة اللقاءات، وحتى إن لمحته، لم تكن تحصد منه سوى صقيع التجاهل. فلم تكن تتوقع أن تصادفه ليومين متتاليين. ترجل الرجل من سيارته الفارهة، مرتديًا بزةً رسمية تشي بالهيبة، مفصلةً على جسدٍ فارع عريض المنكبين، بساقين طويلتين تخطفان الأنظار، ويزينه وجهٌ منحوتٌ بصرامةٍ تفيض بالجاذبية والسطوة في كل حين. ومن كان ليصدق أن هذا الطود الجليدي متبلد المشاعر، يخبئ بين جوانحه كل ذلك الدفء المفرط لفتاةٍ أخرى؟ داهمت نور غصةٌ مباغتة اعتصرت فؤادها، فأطرقت برأسها، وأفسحت له الطريق، متمتمةً باحترام: "سيد هاني." وكعادته، تعامل هاني معها كأنها طيفٌ من العدم، وما إن أدرك وجودها حتى ازدادت ملامحه صقيعًا، ومضى متجاوزًا إياها بخطواتٍ واسعة دون التفات. حتى ابتلع المصعد الخاص بالرئيس طيف ذلك الرجل. استردت نور أنفاسها بصعوبة، واستقلت مصعد الموظفين صعودًا إلى طابقها. بالأمس. بعد الصدام الحاد الذي نشب بينها وبين سارة، لم تكن الأخيرة لتلقاها اليوم بوجهٍ بشوش، بل سارعت بانتداب من يتسلم منها مهامها. لم تعر نور صلف سارة أدنى اهتمام، فكل ما تصبو إليه الآن هو إتمام إجراءات التسليم ومغادرة هذا المكان بلا رجعة. وبانقضاء ساعات العمل الصباحية، رأت نور صفاء الجو واعتداله، وبما أن المتنزه البيئي يقع خلف مبنى الشركة مباشرة، فقد حملت حافظة طعامها وقررت التوجه إليه لتناول غدائها، مغتنمةً الفرصة للتنزه قليلًا. هبطت عبر المصعد إلى الطابق الأرضي. ولدى بلوغها ردهة الشركة، صادفت رجلين يهمان بالدخول؛ أحدهما كان سامر، ويرافقه رجلٌ فارع الطول يفيض هيبةً ووقارًا. بدا وكأنه من دائرة أصدقاء هاني، لكنها لم ترَ هذا الوجه من قبل. آثرت نور تجنب الاحتكاك بهما، فأطرقت رأسها وعدلت عن مسارها قاصدةً المخرج. غير أن سامر كان قد لاحظ وجودها بمجرد دلوفه إلى المكان. فجسدها المترهل شديد الضخامة بحيث يستحيل تجاهله. وحين فطن لمحاولتها التواري عنه، تقدم سامر بخطواتٍ واسعة ليقطع عليها طريقها. تسمرت نور في مكانها، ورفعت بصرها نحو سامر، لتواجه ملامح تفيض بالاشمئزاز وهو يهدر بها: "أعميت بصيرتك أم فقدت بصرك؟ ألا تعرفين كيف تلقين التحية؟" في سالف الأيام، حين كانت مساعدة هاني، كان سامر يعاملها بأدبٍ واحترام، أما اليوم، فلم تعد في نظرهم سوى امرأةٍ دميمةٍ بدينة، وحيةٍ خبيثة لا تدركُ مكانتها. أخفضت نور نظرها، ونطقت بنبرةٍ خافتة باهتة: "سيد سامر." أطلق سامر ضحكةً ساخرة، وأردف بتهكمٍ لاذع: "ما هذا التعالي؟ أتحسبين أن الضفدع قد استحال عنقاءً حقًا؟" شدت نور قبضتها حول مقبض حافظة الطعام حتى ابيضت مفاصلها، وقد بلغ بها الحرج مبلغه، فانحرفت بجسدها محاولةً تجاوزه للمغادرة. فما كان من سامر إلا أن امتدت ساقه الطويلة بغتةً لتعرقل مسيرها. هوت نور أرضًا على حين غرة، وارتطمت ركبتاها بالأرضية الصلبة محدثةً صوتًا مدويًا، فاستحال وجهها إلى شحوب الموت، واصطكت أسنانها من هول الألم، بينما طارت حافظة الطعام من يدها لتتدحرج على الأرض، وينسكب حساء الدجاج والزاد على الأرض. انتفض سيف الذي كان يرقب المشهد من مسافةٍ غير بعيدة، وقد تملكه ذهولٌ وصدمة مباغتة.
Not enough history yet to show a trend.