A حكاية كل يوم

📖 «سيدي الرئيس، أرجوك احبني» — من GoodNovel، قراءة حصرية!

الفصل 1 انهمرت الأمطار بغزارة، وكأن السماء عزمت على غسل خطايا العالم كلها. وقف حارس السجن أمام البوابة الحديدية الضخمة، وألقى إليها كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا يحوي ملابسها القديمة وهاتفًا متهالكًا. "انتهت عقوبتك... اذهبي." رفعت الفتاة رأسها ببطء. وجهها شاحب، جسدها نحيل، حتى إن معطف السجن الرمادي بدا واسعًا عليها بشكل مخيف. شعرها متشابك، شفتاها جافتان متشققتان، وعيناها فارغتان من أي بريق. خطت خطوتها الأولى خارج البوابة. توقفت. لم تستطع. ارتجفت ساقاها فجأة، فسقطت على ركبتيها فوق الأرض المبللة، تلهث بشدة. ثلاث سنوات. لكنها لم تتذكر الزنزانة أولًا— بل تذكرت تلك الليلة قبل ثلاث سنوات. كانت قد التحقت للتو بالجامعة، وكان خطاب قبولها في قسم البيانو ما زال موضوعًا تحت الزجاج على مكتبها. كانت في الثامنة عشرة، مليئة بالأمل للمستقبل، رغم أنها كانت تعيش باسم "الابنة غير الشرعية" في أقصى غرفة الخادمات في منزل عائلة وينترز. كانت تعتقد أن بجهدها تستطيع تغيير كل شيء. في تلك الليلة، كان هناك حفل في منزل وينترز، امتلأت القاعة بالضيوف. كانت سيليا قي الطابق الثاني تحمل كتابها الموسيقي، متجهة نحو الدرج، فجأة سمعت صوت سقوط قوي في غرفة مرت بها، توقفت.... طرقت الباب، لم يجبها أحد. دفعت الباب فدخلت—كان الظلام حالكًا، ولم تر سوى شكل شخص ممدد على الاريكة . اقتربت منه ببطئ... كا ضوء القمر منعكس على وجهه، عرفته سيليا فورا. "س.. سيد هاملتون هل انت بخير؟!" فتح جونيور هاملتون عينيه ببطئ، فرأى وجه سيليا الصغير. لاستيقاظه نهضت سيليا بسرعة "سأحضر الطبيب انتظر قليلا.." رفع جونيور يده بسرعة ممسكا بها.. سحبها اليه وانقض عليها... حاولت المقاومة، صرخت، لكن قوته كانت تفوقها، شمّمت رائحة الخمر الثقيلة ورائحة غريبة أخرى. عندما استيقظت، كان الفجر قد انبلج. كان جسدها كله يؤلمها، وهي مستلقية على سرير غريب، لا يغطيها سوى لحاف رقيق. أدارت رأسها—فرأت وجه جونيور هاملتون. وسيم، بارد، وعيناه مثبتتان عليها بغضب. كان مستيقظًا. وكان عاريًا تمامًا. ارتعشت سيليا من الخوف، وتدحرجت خارج السرير وهي تلتف باللحاف، بصوت مرتجف حاولت أن تشرح: "أنا... لا أعرف... جئت لأحضر النبيذ..." جلس جونيور، ونظر إليها وكأنها مجرد نفاية. "الابنة غير الشرعية لعائلة وينترز،" قال ببطء، "تتسلقين فراشي؟" "كلا! أنا حقًا اردت مساعدتك باحضار طبيب لك.. —" "حساباتك واضحة." نزل من السرير، والتقط قميصه من الأرض، وارتداه ببطء شديد. "تخدرينني، تتسلقين فراشي، ثم تحملين مني وتدخلين إلى عائلة هاملتون؟" كانت سيليا ترتجف بشدة. لم تستطع تكوين جملة مفيدة، واكتفت بتكرار: "لم افعل اي شي..انا..." أزرار قميصه الأخيرة استقرت في مكانها. التفت نحوها، ونظر إلى الفتاة الراكعة أمامه. انحنى، وأمسك بذقنها، كأنها قطعة قماش قذرة. "ظننت أنكِ بنومك معي ليلة واحدة سأتزوجكِ؟" أطلق سراحها، وربت على أطراف أصابعه كأنه يتخلص من الغبار. "الابنة غير الشرعية، يجب أن تبقى في مكانها." رأت ظهره يبتعد عبر الباب. عندما أُغلق الباب، أُغلق عالمها أيضًا. بعد ثلاثة أيام، اقتادتها الشرطة. التُهمة: "التخطيط والتسلل وسرقة أسرار تجارية" — لم تكن تعرف أي شيء عن تلك الملفات، التخدير والاستغلال.. " كان والدها المسؤول عن سجنها، رغم توسلاتها لم يستمع اليها حتى... لم يستمع أحد لتفسيراتها. في المحكمة، رأت إيفلين وينترز—أختها غير الشقيقة—واقفة بين الحضور، تبتسم لها. في تلك اللحظة، فهمت كل شيء. التخدير من إيفلين. الغرفة من إيفلين. البصمات والتوقيعات أيضًا من إيفلين. لكن عندما أعلن القاضي الحكم، صفقت إيفلين بهدوء تحت الطاولة. ثلاث سنوات. حُكم عليها بثلاث سنوات. في أول يوم في السجن، جُرِّدت من ملابسها وأُجبرت على الاستحمام تحت ماء بارد يتدفق كالإبر على جلدها. عضت على شفتها ولم تبكِ. "وجه جديد؟ بشرة ناعمة... واضح إنك ما ذقتِ مرارة في حياتك." قالت زعيمة السجينات، وهي تتأملها كقطعة لحم على منضدة. تلك الليلة، بعد إطفاء الأنوار، جروها إلى غرفة الغسيل. اللكمات والركلات، شعرها يُنتزع وهي تُضرب بالحائط. ارتطمت جبهتها بالحديد البارد، وشعرت بدم دافئ يسيل على أنفها. "تجرئين على إغواء الرجال الأغنياء؟ تتظاهرين بالبراءة؟" انكمشت في الزاوية، وغطت رأسها بذراعيها، لم تقاوم، لم تصرخ. كانت تعلم أن الصراخ لا يفيد—الحارس وقف خارج الباب، نظر من النافذة الصغيرة للحظة، ثم انصرف. في الصباح التالي، أُجبرت على الركوع وتنظيف بقعة الدم. انكسر جلد ركبتيها، ودخلت حبيبات الرمل في لحمها. "أسرعي!" صفعها الحارس بسوط على ظهرها. السوط كان معدنيًا في طرفه، تاركًا خطًا أحمر غائرًا. لم تصدر صوتًا، فقط زادت سرعة حركتها. لكنها لم تكن تعلم أنها مجرد البداية. في الشهر الثاني، سُجنت في زنزانة انفرادية "لعدم الانضباط". ثلاثة أيام وليلتين، بلا ماء ولا طعام، فقط ظلام وصرير الفئران على قدميها. تعلمت عد نبضات قلبها لتجاوز الوقت. واحدة، اثنتان، مائة، ألف—عندما بلغت عشرة آلاف، فُتح الباب. خرجت منها، وقد خسرت خمسة كيلوغرامات من وزنها. في الشهر الثالث، قالت زعيمة السجينات إن وجهها "مزعج جدًا"، واستخدمت زجاجة مكسورة لترسم ثلاثة خطوط على ذراعها. "علامة تذكرك بأنك لم تعودي سيدة." عندما انهمر الدم، بكت أخيرًا. ليس من الألم—بل لأنها تذكرت فجأة أنها قبل شهرين كانت جالسة في قاعة البيانو في الجامعة تعزف شوبان. نظرت إلى يدها النازفة، إلى الأوساخ والدم المتجمّد بين أصابعها، ثم ضحكت. ضحكت حتى اندهش الحارس. منذ ذلك اليوم، لم تبكِ مرة أخرى. أقسى لحظة كانت بعد عام ونصف من دخولها السجن. اتُهمت "بإخفاء رسالة" — في الحقيقة، كانت مجرد ورقة صغيرة من سجينة أخرى كُتب عليها "استمري". قيدوها على كرسي حديدي، وغطوا عينيها. لم ترَ من يضربها، فقط شعرت بقبضات تهوي على أضلاعها وبطنها وظهرها. سمعت طقطقة عظامها، وتنفسها يصبح أثقل فأثقل. في ذلك اليوم، لم تتوسل. عضت على أسنانها، وانتظرت حتى ينتهي كل شيء، ثم عادت إلى سريرها الخشبي، وعدّت الشقوق في السقف. واحد، اثنان، ثلاثة. هربت إلى غرفة البيانو في مخيلتها، وعزفت سوناتا ضوء القمر طوال الليل. ثم بدأوا يجبرونها على "النسخ". آلاف الأرقام يوميًا. أصابعها تتقرح، تنزف، تلتئم ثم تتقرح مجددًا. انتفخت مفاصلها حتى صارت كالجوز، وكانت أصابعها تتصلب فلا تستطيع الانبساط بعد القبض على القلم. "هذا أمر من السيد هاملتون." كان الحارس يقول ذلك كلما ألقى أمامها كومة جديدة من الأوراق. سمعت هذه الجملة خمسمئة وسبعًا وثلاثين مرة. كل مرة كانت كالسكين، تقطع شيئًا دافئًا كان لا يزال في قلبها. بعد ثلاث سنوات، لم تعد يداها قادرتين على العزف. لكنها تعلمت شيئًا آخر— ألا تبكي، ألا تبرر. فتحت عينيها. كان المطر ما يزال يهطل. احتضنت الكيس البلاستيكي الصغير إلى صدرها، وكأنه كل ما تبقى لها في الدنيا. أخرجت هاتفها القديم. الرقم الوحيد الذي حفظته عن ظهر قلب كان رقم والدتها. ضغطت عليه بيد مرتجفة. رن... ثم رن مرة أخرى. وأخيرًا جاءها صوت والدتها الدافئ. "حبيبتي؟" انهمرت دموعها فورًا. لكنها ابتلعت بكاءها، وقالت مبتسمة رغم الدموع، بصوت متعب: "أمي... آسفة لأنني لم أستطع زيارتك. الدراسة كانت مرهقة جدًا." ضحكت والدتها بخفة، رغم سعالها المتقطع. "أنا بخير يا صغيرتي، لا تقلقي. ركزي على دراستك." أغلقت سيليا عينيها بقوة. ثلاث سنوات، وما زالت والدتها تصدق كذبتها. أنهت المكالمة، ومسحت دموعها. لكنها شعرت برغبة غريبة في الاتصال بالمستشفى الذي كانت والدتها تتردد عليه منذ سنوات. اتصلت. أجابت ممرضة بهدوء. "مرحبًا." عرّفت بنفسها، وسألت عن حالة والدتها. ساد الصمت لثوانٍ. ثم قالت الممرضة بدهشة: "أأنتِ ابنتها؟" "نعم." تنهدت الممرضة. "كنا نحاول التواصل معك منذ أشهر." توقف قلبها. "ماذا... ماذا حدث؟" قالت الممرضة بصوت حزين: "والدتك تعاني من ورم خطير، وقد تدهورت حالتها منذ عام تقريبًا. تحتاج إلى عملية جراحية في أسرع وقت، لكن التكلفة باهظة، ولم تستطع توفير المبلغ." عام...؟ أي أن والدتها كانت مريضة طوال هذه المدة... ولم تخبرها. تمامًا كما أخفت هي حقيقة وجودها في السجن. اختنق صوتها وهي تسأل: "كم... كم تكلفة العملية؟" ذكرت الممرضة رقمًا جعل الهاتف يكاد يسقط من يدها. أغلقت المكالمة ببطء. وقفت وسط المطر. لا منزل تنتظره. لا عائلة ستستقبلها. ولا أحد يعلم أنها خرجت من الجحيم. لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط— مهما حدث... يجب أن تنقذ والدتها. شدّت قبضتها على الكيس الصغير، وبدأت تمشي نحو مدينة لم تعد تعرفها. غير مدركة أن أول شخص ستلتقي به هناك... سيكون الرجل الذي دمّر حياتها. والرجل الذي سيقلب حياتها رأسًا على عقب مجددًا، ومجددا. الفصل 2 مرت ثلاثة أيام منذ خروج سيليا وينترز من السجن. ثلاثة أيام لم تنم فيها سوى ساعات متقطعة داخل غرفة رطبة استأجرتها في أحد الأحياء الفقيرة بثمن زهيد. كانت الغرفة لا تتجاوز بضعة أمتار، تتوسطها نافذة مكسورة يدخل منها الهواء البارد، وسرير حديدي قديم تصدر نوابضه صريرًا مع كل حركة. لكنها لم تكن تهتم. فكل ما كان يشغلها هو ذلك الرقم الذي أخبرتها به الممرضة. تكلفة العملية. كلما أغمضت عينيها، تذكرت صوت الطبيب وهو يقول إن التأخير قد يهدد حياة والدتها. جلست أمام الطاولة الخشبية الصغيرة، تنظر إلى ورقة كتبت فيها جميع الوظائف التي سألت عنها. مرفوضة. مرفوضة. مرفوضة. في كل مرة كانت تملأ استمارة التوظيف، يأتي السؤال نفسه: "هل لديكِ أي سوابق جنائية؟" كانت أصابعها ترتجف. إن كذبت، سيكتشفون الحقيقة. وإن اعترفت... تنتهي المقابلة في اللحظة نفسها. وفي إحدى الشركات، لم تنتظر الموظفة حتى تنهي كلامها. قالت بازدراء: "لا نوظف أصحاب السوابق." وأغلقت الملف في وجهها. خرجت بصمت. لم تعد تبكي كما كانت تفعل سابقًا. فالدموع أصبحت رفاهية لا تملكها. وقفت أمام المستشفى بعد الظهر. اشترت لوالدتها بعض الفاكهة الرخيصة، ثم صعدت إلى غرفتها. ما إن فتحت الباب حتى ارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه والدتها. "لقد اشتقت إليكِ كثيرًا." ارتمت سيليا في حضنها، تحاول كتم شهقتها. كان جسد والدتها قد أصبح نحيلًا للغاية، ووجهها شاحبًا بشكل مؤلم. لكنها ما زالت تبتسم... دائمًا تبتسم. قالت الأم وهي تربت على شعرها: "هل انتهت الامتحانات؟" أومأت سيليا بسرعة. "نعم." "هل أكلتِ جيدًا؟" "نعم." "هل ما زلتِ تعزفين البيانو؟" تجمدت. اختنق صوتها. "لا... لم يعد لدي وقت." ابتسمت الأم بحنان. "لا بأس... عندما أتشفى سنشتري لكِ بيانو جديدًا." انكسرت ابتسامتها. كيف تخبرها... أنها لم تعد تستطيع حتى الإمساك بالقلم دون أن ترتجف يدها؟ في طريق خروجها، أوقفها الطبيب. قال بهدوء: "لا أريد أن أضغط عليكِ، لكن حالة والدتك لم تعد تحتمل الانتظار." خفضت رأسها. "أعلم." "إذا لم تجرِ العملية قريبًا..." لم يكمل جملته. لم يكن بحاجة لذلك. فهي فهمت كل شيء. خرجت من المستشفى وهي تشعر أن العالم ينهار فوق كتفيها. مع حلول المساء، كانت تمشي بلا هدف. وفجأة... وقعت عيناها على إعلان كبير مضاء. "مطلوب نادلات للعمل في صالة كاريوكي." "راتب مرتفع." "يشمل السكن والطعام." توقفت. كانت تعلم سمعة هذه الأماكن. لكنها لم تعد تملك رفاهية الاختيار. شدت قبضتها. ثم دخلت. استقبلتها مديرة الصالة بابتسامة عملية. تفحصتها من رأسها حتى قدميها. "هل لديك خبرة؟" هزت رأسها بالنفي. "لكنني أتعلم بسرعة." تنهدت المديرة. "الراتب جيد لأن العمل متعب. مهمتك تقديم المشروبات فقط. ممنوع افتعال المشاكل مع الزبائن." أومأت بسرعة. لم تسأل حتى عن الراتب. كل ما أرادته هو العمل. في تلك الليلة، ارتدت سيليا زي العمل. كان محتشمًا مقارنة ببقية النادلات، لذلك شعرت بشيء من الارتياح. حملت الصينية بين يديها. لكن... ارتجفت أصابعها. كادت الأكواب تسقط. تذكرت الحارس وهو يضرب يدها بالقضيب الحديدي كلما تباطأت في الكتابة. ارتجف جسدها كله. تنفست بعمق. "اهدئي..." همست لنفسها. "لقد خرجت من السجن." لكن قلبها لم يصدق ذلك. بعد ساعات قليلة، اقترب منها المدير. "الغرفة رقم ثمانية." ناولها زجاجات المشروبات. "ضيوف مهمون... لا ترتكبي أي خطأ." انحنت باحترام. وسارت نحو الغرفة. كل خطوة كانت أثقل من سابقتها. وقفت أمام الباب. طرقت برفق. ثم دخلت. في اللحظة نفسها... تجمد الدم في عروقها. كان جونيور هاملتون يجلس في منتصف الغرفة بكل هيبته، محاطًا بعدد من رجال الأعمال وأصدقائه. بذلته السوداء الفاخرة. ساعته اللامعة. ونظرته الباردة التي لم تتغير منذ ثلاث سنوات. سقطت الصينية من يدها. ارتطم الزجاج بالأرض. ساد الصمت. رفع جونيور رأسه ببطء. نظر إليها للحظات. لم يتعرف عليها في البداية. فقد اختفت الفتاة الممتلئة بالحياة التي كان يعرفها. أما صديقه الجالس بجواره، فاتسعت عيناه فجأة. ثم ضحك بصوت مرتفع. "يا إلهي... أليست هذه الفتاة التي دخلت السجن ؟" التفت الجميع إليها. شعرت وكأن عشرات العيون تخترق جسدها. انخفض رأسها تلقائيًا. بدأت أنفاسها تتسارع. عاد إليها كل شيء... صوت باب الزنزانة. صرخات السجينات. وقع أقدام الحراس. أوامرهم. ضرباتهم. قال الرجل ساخرًا: "ألم تتعلمي الدرس بعد؟" في تلك اللحظة... تعرف جونيور هاملتون عليها أخيرًا. ضيق عينيه. "أنتِ..." ساد الصمت. ثم ابتسم بسخرية باردة. "إذن خرجتِ أخيرًا." لم تستطع النظر إليه. كانت ترتجف بعنف. قال وهو يراقب مظهرها البائس: "يبدو أن السجن لم يغيّركِ كثيرًا." ثم نظر إلى زي النادلة الذي ترتديه. "أم أنكِ وجدتِ طريقة جديدة لإغواء الرجال؟" شعرت وكأن الكلمات صفعتها. لكنها لم تدافع عن نفسها. بل حدث أمر لم يتوقعه أحد. وضعت الصينية جانبًا... ثم سقطت على ركبتيها أمامه. انحنى رأسها حتى لامس الأرض تقريبًا. وقالت بصوت مرتعش اختلط بالبكاء: "أنا... أنا آسفة..." "لن أظهر أمامك مرة أخرى." "أرجوك... لا تغضب." "لن أقترب منك أبدًا." ساد صمت ثقيل داخل الغرفة. اختفت ابتسامات الرجال. حتى الموسيقى القادمة من الخارج بدت بعيدة. أما جونيور... فاكتفى بالنظر إليها في صمت. كان يتذكر جيدًا تلك الفتاة التي كانت تلاحقه بابتسامتها في حفلات الطبقة الراقية. أما المرأة الراكعة أمامه الآن... فلم يرَ في عينيها سوى الخوف. خوفًا حقيقيًا... لا يمكن تزويره. الفصل 3 ساد الصمت داخل الغرفة الخاصة. حتى الموسيقى الصاخبة القادمة من خارجها بدت وكأنها اختفت فجأة. كانت سيليا مورغان لا تزال راكعة على الأرض، ورأسها منخفض حتى كادت جبهتها تلامس السجاد الفاخر، بينما كان جسدها يرتجف بلا توقف. لم تكن ترتجف لأنها تريد إثارة شفقة أحد... بل لأنها لم تعد تعرف كيف تقف أمام جونيور هاملتون دون أن يخنقها الخوف. أما الرجال الجالسون حول الطاولة، فقد تبادلوا النظرات في حيرة. قال أحدهم هامسًا: "هل... هل هذه هي نفسها سيليا مورغان؟" رد آخر: "مستحيل... أتذكرها جيدًا. كانت أجمل فتيات حفلات الطبقة الراقية." تنهد رجل ثالث وهو ينظر إليها. "كانت تدخل أي مناسبة فيلتفت الجميع إليها." رفع جونيور بصره نحوها مرة أخرى. وللمرة الأولى... نظر إليها بتمعن. كانت مختلفة تمامًا. اختفى شعرها اللامع الذي كانت تعتني به دائمًا، وأصبح باهتًا يصل إلى كتفيها بشكل غير مرتب. أما وجهها... فقد أصبح شاحبًا بصورة مؤلمة. وجنتاها الغائرتان جعلتا عظام وجهها أكثر بروزًا، وكأنها لم تتذوق طعامًا حقيقيًا منذ زمن طويل. حتى ملابس النادلة التي كانت ترتديها بدت فضفاضة عليها. ضيقة عند الكتفين... واسعة حول خصرها النحيل. قال أحد أصدقائه ضاحكًا: "السجن فعل بها الأعاجيب." لكن جونيور لم يضحك. ظل يحدق فيها بصمت. بدأت صورة قديمة تتسلل إلى ذاكرته... قبل ثلاث سنوات... في إحدى حفلات رجال الأعمال. كانت سيليا ترتدي فستانًا أزرق بسيطًا، رغم أن جميع الفتيات كن يتباهين بأغلى التصاميم. كانت تبتسم للجميع بلطف. لكن كلما لمحته من بعيد... تتردد للحظة... ثم تقترب بخجل. "مساء الخير، سيد هاملتون." كان يجيبها بإيماءة باردة. ثم يغادر. وفي كل حفلة... كانت تفعل الشيء نفسه. لم تطلب منه شيئًا. لم تحاول لمس يده. ولم تفرض نفسها عليه. كانت تكتفي بإلقاء التحية... ثم تنظر إليه من بعيد بابتسامة صغيرة. يتذكر أيضًا كيف كان أصدقاؤه يسخرون منها. "يبدو أن ابنة مورغان مغرمة بك." فيجيب ببرود: "لا يهمني." ثم يكمل حديثه وكأنها غير موجودة. عاد إلى الحاضر. نظر إلى المرأة الراكعة أمامه. أين ذهبت تلك الفتاة؟ بل... هل هذه هي نفسها أصلًا؟ قال بصوت بارد: "ارفعي رأسك." ارتجفت سيليا أكثر. لكنها لم تتحرك. كرر أمره، بنبرة أكثر حدة. "قلت ارفعي رأسك." رفعت رأسها ببطء شديد. كانت الدموع تملأ عينيها. لكنها كانت تحاول منعها من السقوط. تعلقت نظراتهما للحظات. شعر جونيور بشيء غريب. في الماضي... كانت تنظر إليه بإعجاب واضح. أما الآن... فلم ير في عينيها إلا الرعب. رعب حقيقي. كأنها تنظر إلى شخص قادر على قتلها في أي لحظة. قطب حاجبيه. "هل تمثلين؟" هزت رأسها بسرعة. "لا... لا يا سيدي." "إذن لماذا ترتجفين؟" لم تستطع الإجابة. كيف تخبره... أن مجرد سماع صوته يعيدها إلى ليالي السجن؟ كيف تخبره... أن اسمه كان يتردد على ألسنة الحراس كلما انهالوا عليها ضربًا؟ "هذه أوامر من السيد هاملتون..." كانت تسمع تلك الجملة كل يوم. حتى أصبحت تؤمن أن كل ضربة تلقتها... كانت بأمر منه. انخفض رأسها من جديد. "أنا آسفة..." ضاقت عينا جونيور. كان يتوقع منها أن تدافع عن نفسها. أن تبكي. أن تصرخ. أن تتهمه. لكنها... كانت تعتذر. دائمًا تعتذر. قال أحد الرجال ساخرًا: "رئيس، يبدو أنها تعلمت الأدب أخيرًا." ابتسم جونيور ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه. لا... هناك شيء لا يبدو منطقيًا. حتى لو كانت ممثلة بارعة... فإن هذا الخوف مبالغ فيه. أم أنها... تتقن التمثيل إلى هذه الدرجة؟ نهض من مكانه ببطء. كان طويل القامة، حتى بدا واقفًا أمامها كجدار لا يمكن تجاوزه. توقفت أنفاس سيليا. كلما اقترب خطوة... كانت تتراجع غريزيًا وهي ما تزال جاثية على ركبتيها. حتى اصطدم ظهرها بالطاولة. لم يعد أمامها مكان للهرب. انحنى جونيور قليلًا حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها. قال بصوت منخفض: "انظري إلي." رفعت عينيها بصعوبة. تأمل ملامحها للحظات. لم يجد أثرًا لمساحيق التجميل. ولا لأي مظهر مصطنع. بل وجد إرهاقًا... وحزنًا... وخوفًا لم يفهم مصدره. ابتعد عنها خطوة. ثم أخرج من جيب سترته دفتر شيكات. كتب رقمًا كبيرًا. مزق الشيك. ووضعه على الطاولة أمامها. اتسعت عينا جميع الحاضرين. قال أحدهم بدهشة: "رئيس...!" أما جونيور، فلم يلتفت إليه. نظر فقط إلى سيليا. ثم أشار إلى زجاجة نبيذ فاخرة كانت على الطاولة. وقال ببرود: "اشربيها كاملة." ارتجفت يدها. "سيدي... أنا..." قاطَعها دون أن تتغير ملامحه. "إذا أنهيتِ الزجاجة..." دفع الشيك نحوها. "سيصبح هذا المال كله لك." ساد الصمت. كانت سيليا تنظر إلى الشيك... ثم إلى الزجاجة... وقلبها يخفق بعنف. فهي تعلم جيدًا... أن جسدها الضعيف لن يحتمل كل هذه الكمية من الكحول. لكنها كانت تعلم أيضًا... أن هناك شخصًا ينتظرها في المستشفى... وقد تكون هذه فرصتها الأخيرة لإنقاذه. الفصل 4 ساد الصمت في الغرفة الخاصة. لم يعد أحد يهتم بالموسيقى الصاخبة القادمة من الخارج، ولا بأصوات الضحكات في الممرات. كانت جميع الأنظار مسلطة على سيليا وينترز. وقفت في مكانها بصعوبة، بينما كانت عيناها معلقتين على الشيك الموضوع فوق الطاولة، ثم انتقل بصرها ببطء إلى زجاجة النبيذ الفاخرة التي دفعها جونيور هاملتون نحوها. ابتلعت ريقها بصعوبة. كانت رائحة الكحول وحدها كافية لتجعل معدتها تنقبض. فمنذ خروجها من السجن قبل أيام، لم يدخل جوفها سوى القليل من الخبز وكوب من الماء وبعض الحساء الرخيص. أما جسدها... فقد أصبح أضعف من أن يتحمل كأسًا واحدًا. لكن... تذكرت كلمات الطبيب. "إن لم تُجرَ العملية قريبًا... فقد نفقد والدتك." أغمضت عينيها بقوة. وسرعان ما ظهر وجه والدتها في مخيلتها. ابتسامتها الحنونة... يديها الدافئتين... وصوتها الذي كانت تسمعه كل ليلة عبر الهاتف وهي تكذب عليها قائلة إنها منشغلة بالدراسة. شعرت بوخزة في قلبها. كانت والدتها تكذب أيضًا... تدّعي أنها بخير حتى لا تقلق ابنتها. كلاهما كان يخفي ألمه عن الآخر. لكن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الأكاذيب. إن لم تحصل على المال الليلة... فقد تخسر الشخص الوحيد الذي بقي لها في هذا العالم. فتحت عينيها ببطء. ثم مدت يدًا مرتجفة نحو الزجاجة. لاحظ جونيور حركتها، لكنه لم يبدِ أي تعبير. أما الرجال الجالسون حول الطاولة فقد تبادلوا النظرات الساخرة. قال أحدهم ضاحكًا: "كنت أعلم أنها ستوافق." وأضاف آخر وهو يحتسي كأسه: "المال يجعل الكرامة رخيصة." خفضت سيليا رأسها. سمعت كلماتهم... لكنها لم تعد تهتم. لقد سُحقت كرامتها منذ ثلاث سنوات، حين أُغلقت خلفها أبواب السجن. نزعت غطاء الزجاجة ببطء. ارتفعت رائحة النبيذ القوية حتى شعرت بدوار قبل أن تشرب. ارتجفت يدها للحظة. ثم همست داخلها: "أمي... سامحيني." ورفعت الزجاجة إلى شفتيها. بدأ السائل الحارق ينساب داخل حلقها. شعرت وكأن النار تشق طريقها إلى معدتها. احمر وجهها فورًا، وسعلت بقوة. تعالت ضحكات بعض الرجال. قال أحدهم ساخرًا: "يبدو أنها لا تعرف حتى كيف تشرب." لكن جونيور ظل صامتًا. كانت عيناه تراقبانها دون أن ترمشا. استجمعت سيليا شجاعتها، ثم رفعت الزجاجة مرة أخرى. ابتلعت جرعة ثانية... ثم ثالثة... ثم رابعة. كانت دموعها تنساب بصمت من شدة الاحتراق. ومع كل جرعة، كانت تشعر أن جسدها يزداد ثقلًا. بدأت الأرض تميل تحت قدميها. وتشوش بصرها شيئًا فشيئًا. لكنها لم تتوقف. كل ما كانت تراه أمامها هو وجه والدتها. "أحتاج إليكِ يا أمي... لذلك يجب أن تعيشي." بعد دقائق طويلة بدت وكأنها ساعات... أنزلت الزجاجة أخيرًا. كانت فارغة. ارتجفت أصابعها، فانزلقت من يدها وسقطت على الأرض. تحطم الزجاج بصوت حاد. ساد الصمت من جديد. حدقت سيليا في الشظايا المتناثرة تحت قدميها، ثم رفعت رأسها بصعوبة نحو جونيور. كانت الرؤية أمامها مشوشة. حتى ملامحه أصبحت ضبابية. بصوت بالكاد خرج من بين شفتيها، قالت: "لقد... أوفيت بوعدي..." ثم نظرت إلى الشيك. "هل... يمكنني أخذه الآن؟" ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. كان الجميع ينظر إلى سيليا وينترز وهي تقف بصعوبة، تتمايل يمنةً ويسرة، بينما تحاول أن تُبقي عينيها مفتوحتين. تقدمت خطوة نحو الطاولة. لكن قدميها خانتاها. كادت تسقط، إلا أنها تشبثت بحافة الطاولة في اللحظة الأخيرة. أخذت أنفاسًا متقطعة، ثم رفعت نظرها نحو جونيور هاملتون. كان ما يزال جالسًا في مكانه، متكئًا على الأريكة الجلدية، ينظر إليها بعينيه الباردتين دون أن تظهر على ملامحه أي مشاعر. همست بصوت مبحوح: "سيدي... لقد شربت الزجاجة كلها..." "هل... هل أستطيع أخذ المال؟" لم يجبها مباشرة. ظل يراقبها لثوانٍ طويلة، وكأنه يحاول اكتشاف ما إذا كانت تتظاهر أم لا. كان وجهها شاحبًا بصورة مخيفة. شفاهها فقدت لونها. حتى يداها كانتا ترتجفان بلا توقف. قال أحد الرجال وهو يضحك: "يا رئيس، يبدو أنها ستفقد وعيها." وأضاف آخر بسخرية: "من أجل المال فقط... الناس يفعلون المستحيل." لم تنظر إليهم سيليا. كل ما كانت تريده هو المغادرة. مد جونيور يده ببطء. أمسك الشيك. شعرت سيليا بانقباض قلبها. للحظة... ظنت أنه سيغير رأيه. لكنه وضع الشيك أمامها على الطاولة. قال ببرود: "خذيه." اتسعت عيناها. تقدمت بخطوات متعثرة، ثم التقطت الشيك بكلتا يديها، وكأنه أغلى شيء امتلكته في حياتها. لم تنظر حتى إلى قيمة المبلغ. لم يكن يهمها. طالما أنه سينقذ والدتها. أحنت رأسها باحترام شديد. "شكرًا لك... سيد هاملتون." كانت كلماتها صادقة. ليس لأنها سامحته... ولا لأنها نسيت أنه الرجل الذي أرسلها إلى السجن. بل لأنها كانت ممتنة للمال الذي قد يمنح والدتها فرصة أخرى للحياة. استدارت ببطء. وحاولت السير نحو الباب. لكن الكحول بدأ يسيطر على جسدها بالكامل. تشوش كل شيء أمام عينيها. أصبحت الإضاءة تدور. والأصوات تختلط ببعضها. وضعت يدها على الجدار حتى لا تسقط. ورغم ذلك... أجبرت نفسها على الابتسام. "اصمدي قليلًا فقط..." "اخرجي من هنا..." "ثم يمكنكِ الانهيار كما تشائين." وصلت إلى الباب. أمسكت بالمقبض. وبصعوبة استطاعت فتحه. خرجت إلى الممر الطويل. وما إن أغلق الباب خلفها... حتى اختفت الابتسامة عن وجهها. وضعت يدها على فمها بسرعة. كانت معدتها تنقلب بعنف. أخذت تركض بصعوبة، تتشبث بالجدار تارة، وبأعمدة الممر تارة أخرى. كان كل شيء يدور حولها. رأت الموظفين ينظرون إليها باستغراب. لكنها لم تتوقف. كل ما كانت تفكر فيه هو الوصول إلى دورة المياه. دفعت الباب بقوة. ثم انحنت فوق المغسلة. وأخذت تتقيأ بعنف. خرج كل ما شربته. واستمرت بالسعال حتى شعرت أن صدرها يحترق. انهمرت دموعها دون إرادة منها. لا بسبب الكحول فقط... بل لأن معدتها الفارغة كانت تتمزق من شدة التقلصات. استندت إلى المغسلة وهي تلهث. رفعت رأسها ببطء نحو المرآة. كادت لا تتعرف إلى نفسها. كانت المرأة التي تنظر إليها شاحبة، منهكة، وعيناها غائرتين، وكأنها أكبر من عمرها بعشر سنوات. ابتسمت ابتسامة مريرة. ثم همست لنفسها: "لا بأس يا سيليا..." "لقد حصلتِ على المال..." "أمي ستعيش..." غسلت وجهها بالماء البارد. ثم أخرجت الشيك من جيبها، وتأكدت أنه لم يتبلل. ضمته إلى صدرها كأنه كنز لا يقدر بثمن. تنفست بعمق. ثم فتحت باب دورة المياه وخرجت... غير مدركة أن الشخص الذي ستصطدم به بعد لحظات سيعيد فتح جميع جراحها القديمة. الفصل 5 استندت سيليا وينترز إلى الجدار للحظات، تحاول استعادة أنفاسها. كانت ساقاها ترتجفان من شدة الإرهاق، بينما بقي طعم الكحول المر يحرق حلقها. أغلقت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا. "انتهى الأمر... بقي أن أذهب إلى المستشفى غدًا." شدّت قبضتها حول الشيك الموجود داخل جيبها، وكأنه الشيء الوحيد الذي يمنحها القوة للاستمرار. ثم بدأت تمشي ببطء في الممر المؤدي إلى المخرج. في الجهة المقابلة... كانت مجموعة من الرجال والنساء يسيرون داخل الملهى وهم يضحكون بصوت مرتفع. وفي المنتصف... كانت امرأة ترتدي فستانًا أبيض باهظ الثمن، تتدلى من عنقها قلادة من الألماس، بينما تتشبث بذراع رجل أنيق. كانت تبتسم بفخر، وكأنها ملكة المكان. ما إن رفعت سيليا رأسها حتى تجمدت خطواتها. اتسعت عيناها بصدمة. إيفلين وينترز. أختها غير الشقيقة. المرأة التي سرقت منها كل شيء. العائلة... الاسم... ثم حياتها. أما إيفلين، فلم تنتبه إليها في البداية، إذ كانت منشغلة بسماع عبارات التهنئة. قالت إحدى السيدات بابتسامة واسعة: "مبارك خطوبتكِ يا آنسة وينترز." وأضاف رجل آخر: "سمعنا أن خطيبك من أشهر رجال الأعمال في المدينة." ابتسمت إيفلين بتواضع مصطنع. "شكرًا لكم... نحن ما زلنا في بداية الطريق." تعالت عبارات التهاني من جديد. أما سيليا، فلم ترغب إلا في الهرب. خفضت رأسها، وأخذت تسير بمحاذاة الجدار، محاولة المرور دون أن يلاحظها أحد. لكن الدوار الذي سببه الكحول جعل خطواتها غير مستقرة. وفي اللحظة التي استدارت فيها إيفلين لتشكر إحدى صديقاتها... اصطدمت كتفها بسيليا. اختل توازن الأخيرة. وسقطت أرضًا بقوة. وفي اللحظة نفسها... انزلق الشيك وعدة أوراق نقدية من جيب معطفها، وتناثرت على الأرض. ساد الصمت. نظرت إيفلين إلى الأوراق النقدية المتناثرة، ثم إلى سيليا الجالسة على الأرض. في البداية... لم تتعرف عليها. فالشابة التي أمامها لم تعد تشبه الفتاة المتألقة التي كانت تعرفها. لكن عندما سمعت همسة إحدى الموظفات: "أليست هذه سيليا...؟" تغيرت ملامحها فجأة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة. ثم قالت بصوت مرتفع، حتى يسمع الجميع: "يا إلهي... سيليا؟" رفعت سيليا رأسها ببطء. كانت تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها. وقفت بصعوبة، ثم انحنت لتجمع المال بسرعة. لكن إيفلين سبقتها، والتقطت إحدى الأوراق النقدية بين إصبعيها. نظرت إليها باحتقار. ثم قالت بصوت يحمل سخرية واضحة: "من أين حصلتِ على هذا المال؟" لم تجب سيليا. واصلت جمع الأوراق بصمت. اقتربت إيفلين خطوة أخرى. "لا تخبريني... هل بدأتِ السرقة بعد خروجك من السجن؟" ارتجفت يد سيليا. لكنها واصلت جمع المال. لم تكن تريد المشاكل. ليس الليلة. ليس بعدما حصلت أخيرًا على ثمن علاج والدتها. لكن صمتها بدا وكأنه اعتراف. رفعت إيفلين صوتها أكثر: "أيها المدير!" خرج مدير الملهى مسرعًا. "هل هناك مشكلة يا آنسة وينترز؟" أشارت إلى سيليا قائلة: "هذه المرأة اصطدمت بي، ثم وجدت معها مبلغًا كبيرًا من المال." تظاهرت بالقلق قبل أن تضيف: "أخشى أنها سرقته من أحد الضيوف." بدأ الحاضرون يتهامسون. "أليست هي التي خرجت من السجن؟" "إذن ليس غريبًا أن تعود للسرقة." شعرت سيليا بأن الكلمات تخترق قلبها. رفعت رأسها أخيرًا وقالت بصوت ضعيف: "هذا المال... ليس مسروقًا." ضحكت إيفلين بسخرية. "حقًا؟ إذن أخبرينا... من منح نادلة مثلك هذا المبلغ؟" عجزت سيليا عن الإجابة. لم تستطع أن تنطق باسم جونيور هاملتون. وفي تلك اللحظة... رنّ صوت باب الغرفة الخاصة خلفهما. وخرج منه جونيور مع أصدقائه، دون أن يعلم أن الحقيقة التي كان يبحث عنها منذ ثلاث سنوات، بدأت تنكشف أمام عينيه، خطوةً بعد أخرى. وقف مدير الملهى أمام إيفلين بانحناءة محترمة. "آنسة وينترز، هل حدث شيء؟" أشارت إيفلين إلى سيليا التي كانت لا تزال منحنية تجمع الأوراق النقدية بيدين مرتجفتين. ثم قالت بنبرة يملؤها الأسف المصطنع: "هذه الفتاة كانت تعيش في منزلنا سابقًا." توقفت لحظة، ثم تنهدت. "خرجت من السجن قبل أيام فقط... ويبدو أنها لم تتغير." ساد الهمس بين الواقفين. "إذن هي صاحبة قضية السجن..." "كنت أظن أن الإشاعات مبالغ فيها." "لا عجب أنها تحمل كل هذا المال." كانت سيليا تسمع كل كلمة. لكنها لم ترفع رأسها. واصلت جمع الأوراق بصمت، وكأنها لا تسمع شيئًا. اقتربت إيفلين منها، ثم داست بكعب حذائها على إحدى الأوراق النقدية. توقفت سيليا. رفعت بصرها إليها للحظة. ابتسمت إيفلين ابتسامة باردة. "لم تجيبي بعد." "من أين حصلت على هذا المال؟" أجابت سيليا بصوت خافت: "إنه مالي." ضحكت إيفلين باستهزاء. "حقًا؟" "ومن يمنح نادلة تعمل منذ ساعات فقط كل هذا المال؟" لم تنبس سيليا بكلمة. كانت تعرف جيدًا... إذا ذكرت اسم جونيور هاملتون، فلن يصدقها أحد. بل ربما يظنون أنها تكذب لتستغل اسمه. لذلك فضلت الصمت. لكن صمتها كان ما أرادته إيفلين بالضبط. التفتت إلى المدير وقالت: "اتصل بالشرطة." ارتجف جسد سيليا بعنف. توقفت أنفاسها للحظة. الشرطة... مجرد سماع هذه الكلمة جعل العالم يدور حولها. عاد إلى أذنيها صوت باب الزنزانة الحديدي وهو يُغلق. عادت إليها صرخات السجينات. ورائحة الرطوبة. وصوت الحارس وهو يقول: "خذيها إلى الزنزانة الانفرادية." تراجعت خطوة إلى الخلف وهي تهز رأسها بسرعة. "لا..." همست بالكاد. "أرجوكِ..." لكن إيفلين قاطعتها ببرود. "إن كنتِ بريئة، فلماذا تخافين من الشرطة؟" بدأت الدموع تتجمع في عيني سيليا. لم تكن تخشى التحقيق... بل كانت تخشى العودة إلى أي مكان يشبه السجن. اقترب المدير منها. "آنسة، من الأفضل أن تنتظري حتى تصل الشرطة." رفعت سيليا رأسها فجأة، وقد بدت علامات الذعر واضحة على وجهها. "لا..." "أرجوك..." "هذا المال ليس مسروقًا." لكن أحدًا لم يصدقها. بل بدأ بعض الحاضرين ينظرون إليها بازدراء. قالت إحدى النساء: "المجرمون لا يعترفون بسهولة." وأضاف رجل آخر: "كان ينبغي أن تبقى في السجن." شعرت سيليا بأن الأرض تميد تحت قدميها. وضعت يدها على صدرها وهي تحاول التقاط أنفاسها. بدأ جسدها كله يرتجف. ولم تنتبه إلى أن أحد الموظفين اقترب منها. قال المدير بصرامة: "بما أنكِ متهمة بالسرقة، فعليكِ إعادة زي العمل الخاص بالملهى قبل مغادرتك." تجمدت سيليا. نظرت إليه بعدم استيعاب. "ماذا...؟" قال ببرود: "الزي ملك للملهى." "اخلعيه الآن." اتسعت عيناها. نظرت حولها. كان عشرات الأشخاص يقفون يراقبونها. شعرت بحرارة الخجل تلسع وجهها. همست بصوت مرتعش: "يمكنني إعادته غدًا..." لكن المدير قاطعها: "الآن." ترددت للحظات. ثم أغمضت عينيها. لقد سُلبت كرامتها منذ سنوات... ولم يعد لديها ما تخسره. وضعت يدها المرتجفة على أزرار سترتها، وبدأت تفكها ببطء وسط نظرات الجميع... وفي اللحظة نفسها... امتدت يد قوية من بين الحشد، وأمسكت بمعصمها قبل أن تخلع القطعة الأولى من ملابسها. تجمدت سيليا في مكانها. أما الحاضرون، فالتفتوا جميعًا نحو صاحب تلك اليد. كان جونيور هاملتون يقف خلفها مباشرة. وعيناه الباردتان مثبتتان عليها دون أن ينطق بكلمة. الفصل 6 كانت عيناه الباردتان مثبتتين عليها دون أن ينطق بكلمة. ساد الصمت في الممر، حتى إن همسات الحاضرين اختفت تمامًا. أما سيليا وينترز، فكانت تقف متجمدة في مكانها، ويداها المرتجفتان لا تزالان تمسكان بطرف سترتها. كان جسدها يترنح بسبب الدوار، بينما كانت تحاول بكل ما تبقى لديها من قوة أن تبقى واقفة وألا تسقط أمامه. أما إيفلين وينترز، فقد اغتنمت الفرصة فورًا، واقتربت من جونيور بخطوات هادئة، ورسمت على شفتيها ابتسامة لطيفة. "إذن أنت السيد جونيور هاملتون." أومأ برأسه دون أن يجيب. تنهدت إيفلين بحزن مصطنع. "لقد صادفت أختي هنا بالصدفة، وأردت فقط أن ألقي عليها التحية وأسألها لماذا لم تزُر عائلتها منذ خروجها من السجن." خفضت رأسها وكأنها تشعر بالألم. "لكنها شتمتني... ووصفتني بالعاهرة." ارتفعت همسات الحاضرين. أما إيفلين، فأكملت بنبرة يملؤها الأسف: "بل أخبرتني أنها أغوتك للتو." ثم هزت رأسها سريعًا. "بالطبع لم أصدقها... لذلك حاولت معرفة الحقيقة." نظرت إلى جونيور بعينين يملؤهما القلق. "أنا فقط أخشى أن تُسيء إليك مرة أخرى... وأن تُعاد إلى السجن." توقفت لحظة، ثم أضافت بابتسامة مهذبة: "أرجوك لا تهتم بما حدث بيننا... وأرجوك لا تُعدها إلى السجن." كانت كلماتها تبدو لطيفة... لكنها تعمدت تكرار كلمة السجن مرارًا، حتى بدأت نظرات الاحتقار تتجه نحو سيليا. خفضت سيليا رأسها أكثر. كانت ترتجف. ولم تعد تعرف إن كان السبب هو الكحول... أم الخوف. رفع جونيور نظره إليها. ظل يحدق فيها لثوانٍ طويلة. ثم قال فجأة، بصوت بارد لا يحمل أي رحمة: "ألم تكوني تريدين مضاجعتي؟" اتسعت عينا سيليا. رفعت رأسها نحوه بسرعة. "ماذا...؟" اقترب منها خطوة أخرى. "أليس هذا ما أخبرتِ به أختك؟" هزت رأسها بعنف. "لا... لم أقل..." لكن كلماتها اختنقت قبل أن تكتمل. أمسك جونيور بمعصمها بقوة. شهقت من الألم. حاولت التراجع، لكنه جذبها نحوه بسهولة. "إذن..." قال بنبرة ساخرة. "سأحقق لك رغبتك." شحب وجه سيليا تمامًا. "لا...!" حاولت الإفلات من قبضته، لكن جسدها الضعيف لم يساعدها. كانت تضرب صدره بيديها المرتجفتين وهي تبكي. "أرجوك... دعني أذهب..." "أقسم أنني لم أقل ذلك..." لكن جونيور لم يجبها. حملها بين ذراعيه وسط ذهول الجميع، واتجه بها نحو جناحه الخاص في الطابق العلوي. أما إيفلين... فابتسمت بخبث وهي تراقب الباب يُغلق خلفهما. همست لنفسها: "بعد هذه الليلة... لن يبقى لها شيء." فتح جونيور باب الجناح بقدمه، ثم دخل وأغلق الباب خلفه. أنزل سيليا على الأرض. لكنها ما إن لامست قدماها الأرض حتى تراجعت إلى الخلف بسرعة. كانت ترتجف بعنف. وضعت كلتا يديها على سترتها، وكأنها تحاول حماية نفسها. اقترب منها جونيور ببطء. أما هي... فكانت تتراجع خطوة بعد أخرى. حتى اصطدم ظهرها بالحائط. لم يعد أمامها طريق للهروب. توقف أمامها مباشرة. ثم رفع يده نحو كتفها. شهقت سيليا. "لا..." حاولت إبعاده، لكنه أمسك بطرف سترتها، يريد أن ينزعها ليؤكد لنفسه أنها كانت تتعمد إغواءه. وفجأة... انزلقت السترة عن أحد كتفيها. وتجمدت يده في مكانها. ظهر أمام عينيه جزء من ظهرها... لم يكن جلدًا طبيعيًا. بل كان مليئًا بالندوب. ندوب طويلة... ومتقاطعة... قديمة وحديثة. آثار جلد بالسياط... وجروح لم تلتئم تمامًا. ارتجفت سيليا عندما أدركت أن ندوبها انكشفت. أطلقت شهقة مختنقة، ثم أمسكت سترتها بسرعة وأغلقتها حول جسدها. انهارت على الأرض وهي تبكي بشدة. "أرجوك..." "لا تنظر إليها..." "أرجوك..." كانت دموعها تنهمر بلا توقف. وراحت تهز رأسها بجنون. "لا تؤذني..." "لن أقاوم..." "فقط... أرجوك... لا تلمسني..." "أرجوك..." ساد الصمت. وقف جونيور مكانه، وكأنه فقد القدرة على الحركة. لم يستطع إبعاد نظره عن تلك الندوب. لم تكن ندبة واحدة... ولا اثنتين... بل عشرات الندوب التي يستحيل أن تكون نتيجة حادث. رفع بصره إليها. كانت تضم جسدها بذراعيها، وترتجف كما لو أنها تعيش كابوسًا قديمًا. لأول مرة... تراجع خطوة إلى الخلف. ثم قال بصوت خافت، لكنه حاسم: "ارتدي ملابسك." رفعت سيليا رأسها ببطء، ودموعها لا تزال تغطي وجهها. أدار ظهره إليها. وأضاف دون أن ينظر إليها: "اخرجي." لم تصدق ما سمعته. نهضت بصعوبة، وعدلت ملابسها بيدين مرتجفتين، ثم فتحت الباب ، وهي تشهق. وقبل أن تخرج، سمعت صوته للمرة الأخيرة. "إن اقتربتِ مني مرة أخرى..." توقف لحظة، ثم أكمل ببرود: "فلن تكوني محظوظة كما كنتِ اليوم." أغمضت سيليا عينيها بقوة. همست بصوت يكاد لا يُسمع: "لن يحدث ذلك مرة أخرى... أبدًا." ثم خرجت مسرعة من الغرفة، بينما بقي جونيور واقفًا أمام النافذة، وكأن ما حدث لم يترك في نفسه أي أثر. الفصل 7 كان الليل قد انتصف عندما خرجت سيليا وينترز من فندق هاملتون. كانت خطواتها متعثرة، بينما كانت دموعها تختلط بمياه المطر التي انهمرت بغزارة. لم تلتفت خلفها ولو مرة واحدة. كل ما أرادته هو الابتعاد عن ذلك المكان... وعن الرجل الذي أعاد إليها أسوأ ذكرياتها. ضمت معطفها حول جسدها بقوة، رغم أن يديها كانتا ترتجفان بلا توقف. كانت كلماته الأخيرة لا تزال تتردد داخل رأسها. "إن اقتربتِ مني مرة أخرى... فلن تكوني محظوظة كما كنتِ اليوم." أغمضت عينيها وهي تسير. همست بصوت مبحوح: "لن أقترب منك أبدًا... حتى لو مت." بعد ساعة... وصلت إلى شقتها الصغيرة. فتحت الباب بصعوبة، ثم دخلت وأغلقته خلفها. ما إن استند ظهرها إلى الباب حتى انهارت جالسة على الأرض. أخذت تبكي بصمت. كانت تضم نفسها بذراعيها، وكأنها تحاول إخفاء الندوب التي انكشفت أمامه. لم تكن تبكي لأنه رآها... بل لأنها عادت تشعر بالعجز نفسه الذي عاشته داخل السجن. ظل بكاؤها مستمرًا حتى غلبها الإرهاق، فنامت مكانها على الأرض. مع أول خيوط الفجر... رن هاتفها باستمرار. فتحت عينيها بصعوبة، ثم التقطت الهاتف. ظهر اسم المستشفى على الشاشة. ارتجف قلبها. أجابت بسرعة. "مرحبًا..." جاءها صوت الممرضة: "آنسة سيليا، نود إبلاغك بأن الدفعة المالية وصلت، وقد حُدد موعد عملية والدتك صباح اليوم." اتسعت عيناها. امتلأت بالدموع من جديد. لكنها هذه المرة كانت دموع ارتياح. "شكرًا..." "شكرًا جزيلًا..." أنهت المكالمة، ثم احتضنت الشيك الذي أصبح مجرد إيصال بالدفع. ابتسمت لأول مرة منذ زمن. "اصمدي يا أمي..." "سأكون بجانبك." في الجهة الأخرى من المدينة... كان جونيور هاملتون يجلس في مكتبه، يراجع ملفات شركته كعادته. دخل مساعده الشخصي وقال: "صباح الخير، سيدي." دون أن يرفع رأسه، أجاب: "ابدأ الاجتماع." رد المساعد: "قبل ذلك... مدير الملهى يعتذر عما حدث الليلة الماضية." توقف جونيور عن الكتابة للحظة. ثم قال ببرود: "ليتأكد فقط من أن الأمر لن يتكرر." "لا أريد فوضى داخل أي مكان يحمل اسم هاملتون." "مفهوم، سيدي." أنهى الحديث، وعاد إلى عمله وكأن سيليا لم تمر في حياته قط. أما في قلب سيليا... فكانت تلك الليلة قد تركت جرحًا جديدًا لن يلتئم بسهولة. خرجت سيليا وينترز من شقتها بعد دقائق، متجهة إلى المستشفى. كانت تحمل حقيبة صغيرة، وبداخلها جميع الأوراق الخاصة بوالدتها، بينما كانت آثار السهر والبكاء واضحة على وجهها. وصلت إلى المستشفى قبل الموعد المحدد. ركضت نحو قسم الجراحة، وما إن رآها الطبيب حتى اقترب منها. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "لقد انتهينا من جميع الإجراءات." "سننقل والدتك إلى غرفة العمليات بعد قليل." تنفست سيليا الصعداء. ثم انحنت للطبيب باحترام. "شكرًا لك، دكتور." ابتسم الطبيب وقال: "اشكرينا بعد نجاح العملية." هزت رأسها وهي تحاول حبس دموعها. دخلت إلى غرفة والدتها. كانت هيلين وينترز مستلقية على السرير، بينما كانت الممرضة تجهزها للعملية. ما إن رأت ابنتها حتى ابتسمت بحنان. "تعالي يا سيليا." اقتربت منها وأمسكت يدها. قالت هيلين وهي تربت على يدها: "لا تقلقي... سأعود إليك." ابتسمت سيليا رغم الدموع التي ملأت عينيها. "بالطبع ستعودين." ثم أضافت محاولة إخفاء خوفها: "سنذهب إلى المنزل معًا." نظرت إليها والدتها طويلًا. ثم لمست وجهها بحنان. "هل بكيتِ؟" تجمدت سيليا. ثم ابتسمت بسرعة. "لا... لم أنم جيدًا فقط." كانت تكذب. وللمرة الثانية خلال يومين... اختارت أن تخفي الحقيقة عن والدتها. ابتسمت هيلين، لكنها لم تبدُ مقتنعة. إلا أنها لم تسألها شيئًا. بعد دقائق... دخل الأطباء إلى الغرفة. اقترب أحدهم من السرير. "حان الوقت." شعرت سيليا بأن قلبها انقبض. اقتربت من والدتها، ثم احتضنتها برفق. همست في أذنها: "أنا أحبك." ابتسمت هيلين وهي تمسح دموع ابنتها. "وأنا أحبك أكثر." ثم بدأت الممرضات بدفع السرير نحو غرفة العمليات. وقفت سيليا تراقب الباب حتى أُغلق أمامها. في تلك اللحظة... شعرت وكأن العالم كله توقف. جلست على أحد المقاعد في الممر، وضمت يديها إلى بعضهما. لم تستطع فعل شيء... سوى الانتظار. وفي الوقت نفسه... كانت سيارة جونيور هاملتون تتوقف أمام المقر الرئيسي لمجموعة هاملتون. ترجل من السيارة بخطوات ثابتة، وما إن دخل المبنى حتى وقف جميع الموظفين لتحيته. "صباح الخير، سيدي." أومأ برأسه دون أن يتوقف. دخل إلى المصعد الخاص، ثم صعد إلى الطابق الأخير. كانت أمامه عشرات الاجتماعات والعقود التي تنتظر توقيعه. بالنسبة له... ما حدث في الليلة الماضية انتهى. وسيليا وينترز لم تكن سوى موظفة عابرة التقاها بالصدفة. دخل مكتبه، وجلس خلف مكتبه الكبير. وفي تلك اللحظة، دخل مساعده ريان وهو يحمل جدول أعمال اليوم. قال باحترام: "سيدي، بعد ساعة لديك اجتماع مع مجلس الإدارة، وبعد الظهر ستزور مستشفى هاملتون الخيري لتوقيع اتفاقية تبرع جديدة." رفع جونيور رأسه قليلًا. "أجل... لا تؤخر المواعيد." "مفهوم، سيدي." خرج ريان، بينما عاد جونيور إلى عمله، غير مدرك أن زيارته للمستشفى في ذلك اليوم ستجعله يرى شخصًا لم يكن يتوقع رؤيته مجددًا بهذه السرعة. الفصل 8 انطفأت أخيرًا أضواء غرفة العمليات. نهضت سيليا من مقعدها فجأة، وكادت تفقد توازنها. فتح الباب، وخرج الطبيب. تقدمت نحوه بسرعة، وصوتها يرتجف: "دكتور... كيف حال أمي؟" خلع الطبيب قناعه، وابتسم ابتسامة متعبة لكنها مطمئنة. "العملية نجحت. لا تزال تحت تأثير التخدير، وتحتاج إلى بضع ساعات من المراقبة، لكن حياتها لم تعد في خطر." ارتخت ساقا سيليا، وكادت تسقط على الأرض. تمسكت بالجدار، وأغمضت عينيها، بينما انهمرت دموعها بصمت. "شكرًا لك... شكرًا جزيلاً..." ربت الطبيب على كتفها برفق. "اذهبي وخذي قسطًا من الراحة... أنتِ تبدين أكثر إرهاقًا من المريضة نفسها." هزت سيليا رأسها، وابتسمت ابتسامة بالكاد رسمتها شفتاها. "أنا... أريد الانتظار حتى تستيقظ." لم يضغط عليها الطبيب، واكتفى بإيماءة، ثم غادر. دخلت سيليا إلى منطقة الانتظار بجوار غرفة المراقبة، وجلست على أقرب كرسي إلى جناح والدتها. وضعت مرفقيها على ركبتيها، وغطت وجهها بكفيها. أخيرًا... انتهى كل شيء أخيرًا. كابوس السنوات الثلاث... تلك الأيام المظلمة... السياط والإهانات واليأس... في هذه اللحظة، شعرت أن كل ذلك كان له معنى. أخذت نفسًا عميقًا، ومسحت دموعها، وحاولت استعادة هدوئها. وفي تلك اللحظة بالذات... على طرف الممر، دوت خطوات واثقة، ترافقها أصوات مساعدين يبلغون عن جداول الأعمال. كانت الخطوات تقترب أكثر فأكثر. رفعت سيليا رأسها غريزيًا. وتجمد الدم في عروقها في لحظة. جونيور هاملتون. كان يرتدي بدلة سوداء بقصّة مثالية، وخلفه ريان واثنان من كبار المسؤولين في المستشفى، يتجهون نحو الاتجاه الذي كانت تجلس فيه. كانت عيناه مثبتتين على الملف في يده، ولم يلحظها في البداية. لكنه، بينما كان يمر بجانبها—رفع نظره بشكل لا إرادي. توقفت خطواته. توقف تنفس سيليا فجأة. خفضت رأسها غريزيًا، ودفنت وجهها في راحتيها، وكأنها بذلك تستطيع أن تجعل نفسها تختفي. لكن الأوان كان قد فات. توقف جونيور، وأدار رأسه نحوها، متأملًا إياها وهي منكمشة على المقعد. صمت لبضع ثوان، ثم قال لمن حوله: "تقدموا، سألحق بكم." تبادل ريان وكبار المسؤولين نظرات، ثم انصرفوا بفهم. لم يبق في الممر سوى الاثنين. لم ترفع سيليا رأسها، وكانت أصابعها تقبض على طرف ثوبها بقوة، حتى ابيضت مفاصلها. وقف جونيور أمامها، وقال بنبرة لا تحمل أي مشاعر واضحة: "ماذا تفعلين هنا؟" شعرت سيليا وكأن حلقها قد انغلق، فلم تستطع النطق بأي كلمة. انتظر لحظات، ولم يأتِ جواب، فعبس قليلًا. "هل أتيتِ إلى مستشفاي لتطلبي مني شيئًا؟" هزت سيليا رأسها بعنف، وتمكنت أخيرًا من إخراج صوتها: "لا... لم أتبعك... أنا فقط..." لكنها لم تستطع إكمال الجملة. لم تجرؤ على إخباره عن والدتها. لم تجرؤ على أن يعرف اسم والدتها. لم تجرؤ على منحه أي فرصة لإيذاء الشخص الوحيد المتبقي لها في هذه الدنيا. لقد عانت سنوات في السجن، وعرفت جيدًا كيف يعمل جونيور هاملتون. إذا عرف أن والدتها هنا... إذا أراد الانتقام... لم تجرؤ حتى على التفكير في ذلك. فابتلعت كل الكلمات، وأخفضت رأسها، وقالت بصوت مرتعش: "أنا... كنت أمر هنا فقط... سأرحل فورًا." نهضت لتهرب. لكن جونيور، في اللحظة التي مرت فيها بجانبه، أمسك بمعصمها. "تمرين؟" كان صوته يحمل برودة واضحة. "هذا المستشفى ليس مفتوحًا للجميع... تقولين إنك تمرين فقط؟" تصلب جسد سيليا بالكامل. شعرت بأصابعه تغلق على عظم معصمها، بقوة ليست كبيرة، لكنها كافية لمنعها من الفرار. عضت شفتها، وحاولت بكل قوتها ألا تبكي. "أنا... سأغادر حالًا... أرجوك، دعني أذهب..." نظر جونيور إلى كتفيها المرتجفين، وإلى جسدها النحيل الذي كاد أن يصبح هيكلًا عظميًا، وإلى عجزها حتى عن رفع رأسها إليه. ثم تذكر الندوب التي رآها على ظهرها. ازدادت ملامحه احتجاجًا من دون أن يشعر. وفجأة، أطلق معصمها وتراجع خطوة. ظنت سيليا أنه سيدعها تذهب أخيرًا، وكانت على وشك أن تخطو— لكنه استدار فجأة، وضرب بيده على وسطها، ودفعها إلى خلف باب درج الطوارئ. انغلق الباب خلفها بـ"إغلاق" مدوية. في الظلام، ارتطم ظهرها بالجدار البارد. وقبل أن تتمكن من الصراخ، كانت شفتاه قد انطبقتا على شفتيها. لم تكن قبلة ناعمة. بل كانت قبلة تحمل غضبًا وحيرة وشيئًا أعمق، لم يستطع هو نفسه تفسيره. وضع كفه خلف رأسها، واليد الأخرى على الجدار بجانب أذنها، وحاصرها في ظله. توقف عقل سيليا عن العمل للحظات. تجمدت، ونسيت أن تتنفس، ونسيت أن تقاوم. عندما ابتعد عنها أخيرًا، كانت شفتاها قد احمرّتا قليلًا من حدة القبلة، وكانت عيناها قد ابتلتا بالدموع. كان جونيور يلهث، وجبهته تكاد تلامس جبهتها، وصوته خفيض وقد امتزج بالأمر: "لا تأتي إلى أماكن كهذه مجددًا." كانت سيليا ترتجف بشدة، ولم تستطع الوقوف دون أن تستند إلى الجدار. تراجع خطوة، واستعاد هدوءه المعتاد، ورتب ياقة بدلته. ثم، وكأنه تذكر شيئًا عابرًا، قال بنبرة غير مبالية: "غدًا الساعة التاسعة صباحًا، تقدّمي إلى المقر الرئيسي لمجموعة هاملتون." رفعت سيليا رأسها بحيرة. "... ماذا؟" لم ينظر إليها جونيور، وفتح باب الدرج. "قسم النظافة يحتاج موظفين. إذا كنتِ تفتقرين حقًا إلى المال، فلا تذهبي إلى الأماكن المشبوهة." أغلق الباب خلفه. تلاشت خطواته في الممر. بقي جسد سيليا منزلقًا ببطء على الحائط حتى جلست على الأرض. رفعت يدها إلى شفتيها، حيث لا يزال أثر أنفاسه عالقًا هناك. كان قلبها يخفق بعنف، ولم تدرِ إن كان ذلك بسبب الخوف... أم بسبب شيء آخر. أغمضت عينيها، ودفنت وجهها بين ركبتيها. "النظافة..." كررت الكلمة بصوت خفيض. ثم، وبشكل غير متوقع، ابتسمت ابتسامة خفيفة. كانت ابتسامة مرة، لا شك. لكنها على الأقل... كانت فرصة عمل شريفة. على الأقل... لن تضطر إلى العودة إلى تلك الأماكن لتقديم المشروبات بعد الآن. وقد فقدت رفاهية الاختيار منذ زمن طويل. في اليوم التالي، الساعة الثامنة وخمسون دقيقة. وقفت سيليا أمام الباب الزجاجي للمقر الرئيسي لمجموعة هاملتون، مرتدية قميصًا قديمًا باهت اللون. رفعت رأسها نحو ناطحة السحاب الشاهقة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم دفعت الباب ودخلت.

Engagement over time

Not enough history yet to show a trend.