Anthony Price

Every night, Fatima returns to that familiar balcony مرتت أيامٌ قليلة بعد ذلك اللقاء، لكن كلاً منهما كان يشعر وكأن الزمن عاد يسير بطريقته القديمة؛ بطيئاً حين يحاول النسيان، وسريعاً حين يستيقظ الحنين فجأة. كانت فاطمة تعود كل مساء إلى الشرفة نفسها، لا لأنها كانت تنتظر حسام، بل لأنها كانت تخشى أن تتوقف عن انتظاره دون أن تشعر. كانت المدينة تبدو كما هي، السيارات تمر في الشارع ذاته، والضباب يعود مع الليل، لكن شيئاً خفياً تغيّر في داخلها؛ كأن اللقاء لم يعيد الماضي، بل أيقظ الجزء الذي ظنت أنها دفنته معه. أما حسام، فكان يسير في طرقٍ لم يسلكها منذ سنوات. مرَّ قرب الحديقة القديمة، فوجد المقاعد قد طُليت بلونٍ جديد، والأشجار كبرت حتى أخفت بعض الأماكن التي كانا يجلسان فيها. ابتسم بحزن، وأدرك أن الأماكن تعرف كيف تتغير دون أن تعتذر لأحد. أخرج من جيبه إحدى الرسائل القديمة، تلك التي احتفظ بها رغم كل شيء، وقرأ السطر الأول فقط، ثم أعادها إلى مكانها، لأن الكلمات كانت ما تزال تعرف الطريق إلى قلبه أكثر مما ينبغي. في مساء الجمعة، وصل إلى هاتف فاطمة إشعارٌ قصير. لم يكن سوى رسالة واحدة. «هل ما زلتِ تشربين القهوة دون سكر؟» نظرت إلى الشاشة طويلاً قبل أن تبتسم. كتبت: «وما زلتَ تتذكر تفاصيل لا فائدة منها.» جاءه الرد سريعاً: «هي التفاصيل التي بقيت حين ضاع كل شيء آخر.» أغلقت الهاتف، لكنها لم تستطع منع قلبها من الخفقان بالطريقة نفسها التي كان يفعلها في الماضي. بعد أيام، التقيا مرةً أخرى، لكن هذه المرة لم يكن اللقاء صدفة، ولم يكن اعترافاً مؤجلاً. اختارا مقهى صغيراً في شارع هادئ، حيث كانت الموسيقى بالكاد تُسمع، وكانت النوافذ تعكس ضوء الغروب على الطاولات الخشبية. حين دخل حسام، وجدها تقلب صفحات كتاب دون أن تقرأه. رفعت رأسها، وقالت مبتسمة: «تأخرت ثلاث دقائق.» ضحك قائلاً: «كنتِ دائماً تحسبينها.» أجابته: «لأنك كنتَ دائماً تتأخر.» جلسا، ولم يكن بينهما ذلك التوتر الذي صاحب اللقاء الأول. بدا وكأن القلب، بعد أن بكى بما يكفي، تعلم أن يتكلم بهدوء. سألها: «هل أنتِ سعيدة الآن؟» لم تجب مباشرة. نظرت إلى فنجانها، ثم قالت: «تعلمت أن أعيش. لا أعرف إن كان ذلك يعني السعادة.» هز رأسه ببطء. «وأنت؟» ابتسم ابتسامة صغيرة. «تعلمت أن أبدو بخير.» ضحكت، وقالت: «هذه إجابة تشبهك.» ظل الحديث ينتقل بين الماضي والحاضر، لكنهما كانا يتجنبان المستقبل، كأن مجرد ذكره قد يكسر شيئاً هشاً بينهما. وحين همَّا بالمغادرة، بدأت السماء تمطر مطراً خفيفاً. وقفا تحت المظلة أمام المقهى، يراقبان قطرات الماء وهي ترسم دوائر صغيرة على الرصيف. قال حسام: «في الماضي كنتِ تحبين المطر.» ابتسمت. «ما زلت أحبه.» ثم أضافت بعد لحظة: «لكنني لم أعد أجري تحته.» نظر إليها، وفهم أن الجملة لم تكن عن المطر وحده. خلع سترته ومدها إليها. ترددت، ثم أخذتها. قالت وهي تنظر إليه: «ما زلتَ تفعل الأشياء نفسها.» ابتسم. «لكنني هذه المرة لا أطلب منكِ أن تبقي.» سكتت قليلاً، ثم قالت: «وأنا هذه المرة لا أهرب.» سارا معاً حتى نهاية الشارع، ثم افترق الطريق مرةً أخرى. لكن الفراق هذه المرة لم يكن يشبه الفراق القديم؛ لم يكن هروباً، ولا قطيعة، بل مساحةً تركاها للحياة كي تختبرهما دون خوف. وفي تلك الليلة، فتحت فاطمة صندوقاً قديماً لم تفتحه منذ سنوات. وجدت صورةً باهتة تجمعهما، ورسالةً لم ترسلها يوماً. قرأت كلماتها، ثم أغلقت الصندوق من جديد، لكنها لم تُعده إلى مكانه المرتفع كما كانت تفعل دائماً، بل وضعته فوق الطاولة، كأنها اعترفت أخيراً بأن بعض الذكريات لا ينبغي إخفاؤها. وفي الوقت نفسه، كان حسام يقف أمام نافذته، يحمل هاتفه، ويكتب رسالةً طويلة، ثم يمحوها، ثم يكتب غيرها. في النهاية، لم يرسل سوى سطرٍ واحد. «شكراً لأنكِ لم تدّعي أن شيئاً لم يكن.» قرأت الرسالة بعد دقائق. لم تكتب جواباً. اكتفت بالنظر إلى السماء، حيث انقشعت الغيوم، وظهرت نجمة وحيدة بين السحاب. ابتسمت، وهمست لنفسها: «ربما لا تمنحنا الحياة فرصةً لنعيش القصة كما حلمنا بها، لكنها تمنحنا أحياناً شجاعة أن ننظر إليها دون أن نكسر أعيننا.» وفي مكانٍ آخر من المدينة، كان حسام يرفع رأسه في اللحظة نفسها، فرأى النجمة ذاتها. لم يكن يعرف أنها تنظر إليها أيضاً، لكنه شعر، للمرة الأولى منذ سنوات، أن المسافة بينهما لم تعد تُقاس بعدد الشوارع، ولا بعدد الأعوام، بل بقدر ما تبقّى في القلب من صدقٍ يكفي ليقول: إن بعض النهايات، حين تُروى بهدوء، قد تكون بدايةً لطريقةٍ جديدة في المحبة، لا تطلب امتلاك الآخر، بل تحفظ مكانه في الروح دون أن تطلب منه البقاء.

Engagement over time

Not enough history yet to show a trend.